محيطات أكثر سخونة.. وأعاصير تتجاوز الفئة الخامسة.. لماذا يطالب العلماء بفئة إعصار جديدة؟
تغير المناخ يوسع «خزانات الوقود» البحرية ويزيد خطر الأعاصير فائقة الشدة
تشهد مناطق نشأة أقوى الأعاصير المدارية في العالم، مثل شمال المحيط الأطلسي وغرب المحيط الهادئ، تحولًا جوهريًا في طبيعة المحيطات التي تغذي هذه العواصف.
فالأمر لم يعد يقتصر على ارتفاع حرارة سطح البحر، بل امتد إلى الأعماق، حيث تتراكم كتل هائلة من المياه الدافئة على عمق مئات الأقدام تحت السطح.
هذه الحرارة العميقة تعمل كخزان وقود ضخم يغذي الأعاصير المدارية، ما يسمح لها بالاشتداد بسرعة غير مسبوقة والحفاظ على قوتها لفترة أطول، حتى عند اقترابها من اليابسة.
وتشير أبحاث حديثة عُرضت خلال الاجتماع السنوي للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي لعام 2025 إلى أن تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري مسؤول عن نحو 60 إلى 70% من توسع هذه «البؤر الحرارية» العميقة في المحيطات.
ومع اتساع هذه البؤر، ترتفع احتمالات تشكل عواصف تفوق في شدتها تعريف الفئة الخامسة المعتمد حاليًا، وهو ما أعاد إلى الواجهة دعوات علمية للاعتراف رسميًا بما يسمى «إعصار الفئة السادسة».

فئة جديدة للأعاصير؟
يصنف خبراء الأرصاد الجوية الأعاصير وفق سرعة الرياح المستمرة، ووفق المقياس الحالي، تُدرج أي عاصفة تتجاوز سرعة رياحها 137 عقدة (نحو 158 ميلًا في الساعة) ضمن الفئة الخامسة، غير أن هذه الفئة أصبحت تضم نطاقًا واسعًا من الشدة، ومع تزايد عدد الأعاصير التي تتجاوز هذا الحد بفارق كبير، يرى الباحثون أن التصنيف لم يعد كافيًا.
ويقترح العلماء تعريف الفئة السادسة على أنها الأعاصير التي تتجاوز سرعة رياحها 160 عقدة (نحو 184 ميلًا في الساعة)، ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في المسميات، بل بتحسين التواصل مع الجمهور وصناع القرار، وتطوير معايير البناء وخطط الاستعداد لمخاطر غير مسبوقة.
أعاصير تجاوزت كل التوقعات
بحسب هذا التعريف، فإن عددًا من الأعاصير الشهيرة سيدخل ضمن الفئة السادسة، ففي المحيط الأطلسي، يظل إعصار «ويلما» عام 2005 مثالًا على شدة غير عادية.
وفي المحيط الهادئ، خلّف إعصار «هايان» عام 2013 دمارًا واسعًا في الفلبين، بينما ضرب «هاجيبس» عام 2019 اليابان بقوة هائلة رغم ضعفه النسبي عند وصوله.
أما إعصار «باتريشيا» عام 2015، فقد سجل سرعة رياح مذهلة بلغت 185 عقدة قبالة السواحل المكسيكية، ما يجعله من أعنف الأعاصير المسجلة على الإطلاق.

الأرقام تكشف الاتجاه
عند تحليل سجلات الأعاصير على مدى نحو أربعين عامًا، وجد الباحثون أنه بين عامي 1982 و2011 سُجلت ثماني عواصف تجاوزت حاجز 160 عقدة، أما بين عامي 2013 و2023، فقد بلغ العدد عشر عواصف، وبذلك، فإن أكثر من نصف الأعاصير فائقة الشدة خلال أربعة عقود تشكلت في السنوات العشر الأخيرة فقط، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في الظروف المناخية الأساسية.
بؤر حرارية محددة
لا تتشكل هذه الأعاصير في أي مكان. إذ تتركز غالبية الأعاصير من مستوى الفئة السادسة في منطقتين رئيسيتين: الأولى في غرب المحيط الهادئ شرق الفلبين وبورنيو، والثانية في شمال المحيط الأطلسي قرب كوبا وهيسبانيولا وفلوريدا.
وتشير الأدلة الحديثة إلى أن هاتين المنطقتين شهدتا توسعًا ملحوظًا، ففي الأطلسي، امتدت البؤرة الحرارية غربًا لتشمل أجزاء واسعة من خليج المكسيك، وشرقًا إلى ما وراء شمال أمريكا الجنوبية، بينما اتسعت في غرب الهادئ لتغطي مساحة أكبر مما كانت عليه سابقًا.

حرارة الأعماق… العامل الحاسم
عادة ما تضعف الأعاصير نفسها عندما تحرك المياه الباردة من الأعماق إلى السطح، لكن عندما تمتد الحرارة إلى طبقات عميقة، يتعطل هذا «الكابح الطبيعي»، وتواصل العواصف سحب الطاقة من المحيط دون انقطاع.
ورغم أن حرارة المياه عنصر أساسي، فإن عوامل جوية أخرى، مثل انخفاض قص الرياح وتوفر الرطوبة في الطبقات الوسطى من الغلاف الجوي، تظل ضرورية لتطور العاصفة، فالمحيط يوفر الشرط اللازم، بينما تحدد الأجواء توقيت الانفجار الحقيقي في الشدة.
تغير المناخ في قلب الصورة
يفصل التحليل العلمي بين التقلبات الطبيعية طويلة الأمد وبين الاحترار الناتج عن النشاط البشري، ورغم تأثير الاثنين، فإن النتائج تشير بوضوح إلى أن تغير المناخ مسؤول عن النصيب الأكبر من توسع البؤر الحرارية العميقة، ما يزيد احتمالات الأعاصير فائقة الشدة.

الاستعداد لواقع جديد
لن يمنع اعتماد فئة سادسة تشكل الأعاصير، لكنه قد يحسن إدارة المخاطر، فوجود تصنيف واضح للأعاصير التي تتجاوز 160 عقدة سيساعد في تطوير معايير البناء، وتحديث خطط الإخلاء، وتحسين نماذج التأمين، خاصة في المناطق الساحلية المكتظة بالسكان.
ومع تزايد العمران والبنية التحتية على السواحل الواقعة في مسار هذه الأعاصير، فإن أي زيادة طفيفة في قدرة العواصف على الحفاظ على شدتها تعني تضاعف المخاطر.
المحيطات ترسل رسالة واضحة: حرارتها لم تعد سطحية فقط، والبؤر القادرة على توليد أعنف الأعاصير في توسع مستمر، وقد لا يكون إطلاق اسم «الفئة السادسة» حلًا جذريًا، لكنه خطوة مهمة لفهم الخطر والاستعداد له بواقعية أكبر.





