مباني أوروبا مصممة لمناخ لم يعد موجودًا.. بيانات جديدة تعيد رسم مستقبل البناء

تغير المناخ يفرض إعادة تصميم مباني أوروبا.. بيانات جديدة تكشف طقس المستقبل

تواجه المباني الأوروبية تحديًا متزايدًا مع تسارع تغير المناخ، إذ لا تزال المعايير والبيانات المناخية التي يعتمد عليها المهندسون في تصميم المباني تستند في كثير من الأحيان إلى قياسات تاريخية قديمة، بينما يُفترض أن تظل المباني التي يجري تصميمها اليوم قادرة على العمل بكفاءة حتى عام 2080 وما بعده.

وفي محاولة لمعالجة هذه الفجوة، طور باحثون من النرويج والبرتغال مجموعة جديدة من بيانات الطقس والمناخ المستقبلية تغطي أكثر من 5 آلاف موقع في أوروبا، وتتيح للمهندسين تصميم المباني وفق الظروف المناخية التي يُتوقع أن تواجهها خلال العقود المقبلة.

وأصبحت البيانات متاحة مجانًا عبر منصة climatedataforbuildings.eu، وتشمل توقعات مناخية تفصيلية مرتبطة بفترات زمنية ومواقع جغرافية محددة.

وقال البروفيسور توماس ك. ثيس من الجامعة النرويجية لعلوم الحياة إن الفجوة بين الظروف المناخية التي يستخدمها المهندسون في الحسابات والظروف التي سيواجهها المبنى فعليًا قد تتجاوز نصف قرن.

تغير المناخ يفرض إعادة تصميم مباني أوروبا

مبانٍ تُصمم لمناخ الماضي

يعتمد المهندسون عادة على ما يُعرف باسم «السنة المناخية النموذجية» (TMY) باعتبارها مدخلًا أساسيًا لمحاكاة أداء الطاقة في المباني، بدءًا من المنازل الفردية وصولًا إلى المستشفيات والمجمعات الكبيرة.

وتُبنى هذه البيانات على ملاحظات تاريخية لدرجات الحرارة والرياح والإشعاع الشمسي وغيرها من عناصر الطقس، وبالتالي فهي تصف في الأساس المناخ الذي شهدته المنطقة في الماضي.

لكن المشكلة تكمن في أن المبنى الذي يُصمم اليوم سيعمل في مناخ مختلف تمامًا خلال العقود المقبلة.

ولمعالجة ذلك، طور الباحثون مفهوم «السنة المناخية المستقبلية» (FMY)، التي تطبق توقعات تغير المناخ على خط الأساس التاريخي لإنتاج ملف طقس على أساس كل ساعة لفترة مستقبلية محددة وسيناريو معين للانبعاثات.

ويمكن استخدام هذه الملفات مباشرة في برامج محاكاة الطاقة المستخدمة حاليًا في تصميم المباني، ما يسمح للمهندسين بتقدير احتياجات المبنى المستقبلية بصورة أكثر دقة.

ليست جميع نماذج المناخ متساوية

لم يعتمد الباحثون على جميع النماذج المناخية المتاحة، بل قاموا بتقييم مجموعة واسعة من النماذج المناخية العالمية والإقليمية.

وحدد الفريق النماذج التي تمكنت من تمثيل ظروف الصيف والشتاء في أوروبا بصورة مرضية، ثم استخدم النماذج الأكثر موثوقية فقط في إنتاج بيانات السنوات المناخية المستقبلية.

ويهدف هذا النهج إلى ضمان أن تستند البيانات المستخدمة في تصميم المباني إلى أفضل التوقعات المناخية المتاحة للقارة الأوروبية.

وأُنتجت البيانات لفترتين زمنيتين رئيسيتين، الأولى تمتد من 2036 إلى 2065 لتمثيل منتصف القرن، والثانية من 2066 إلى 2095 لتمثيل نهاية القرن.

كما تغطي البيانات مجموعة من سيناريوهات الانبعاثات، بما في ذلك سيناريوهات CMIP5 مثل RCP4.5 وRCP8.5، وسيناريوهات CMIP6 التي تمتد من SSP1-2.6 إلى SSP5-8.5.

ويؤثر اختيار السيناريو المناخي بصورة مباشرة على القرارات المتعلقة بتصميم المبنى، ما يجعل مسألة الانبعاثات جزءًا من إدارة المخاطر في المشروع الهندسي، وليست مجرد قضية علمية.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي تصميم مبنى وفق سيناريو منخفض الانبعاثات إلى حلول مختلفة فيما يتعلق بالتظليل الشمسي وأنظمة التبريد مقارنة بمبنى مصمم وفق سيناريو مرتفع الانبعاثات.

تغير المناخ يفرض إعادة تصميم مباني أوروبا

بيانات تاريخية ومستقبلية متوافقة

تعتمد البيانات الجديدة على الأساس نفسه الذي استخدمه الفريق في إعداد مجموعة بيانات حديثة للسنوات المناخية النموذجية، والتي تغطي أكثر من 5 آلاف موقع أوروبي وتستند إلى إعادة التحليل المناخي CERRA التابعة لبرنامج كوبرنيكوس الأوروبي.

ولأول مرة، أصبحت بيانات الطقس التاريخية والمستقبلية المستخدمة في محاكاة أداء المباني متوافقة داخليًا، إذ جرى إنتاجها بالاعتماد على الفترة المرجعية نفسها، والدقة المكانية نفسها، والمنهجية ذاتها.

وقال الباحث المشارك في الدراسة، أوجينيو رودريغيز، رئيس مختبر CURA في جامعة كويمبرا البرتغالية، إن هذا الاتساق يتيح للمهندسين التأكد من أن تأثير تغير المناخ الذي تظهره البيانات المستقبلية لا يجري تضخيمه أو التقليل من شأنه بسبب اختلاف المنهجيات المستخدمة في إنتاج البيانات.

ارتفاع حرارة الشتاء يغير استهلاك الطاقة

تكشف البيانات الجديدة أن ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا لن يكون متساويًا على مدار العام أو في جميع المناطق.

ففي المناطق الشمالية، مثل أوسلو، من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة الشهرية المتوسطة بصورة أكبر خلال فصل الشتاء، بينما يكون ارتفاعها أقل نسبيًا خلال الصيف.

وقد يبدو ارتفاع درجات الحرارة في الشتاء أمرًا إيجابيًا للوهلة الأولى، لكنه يحمل تأثيرًا مهمًا على تصميم المباني واستهلاك الطاقة.

ففي شمال ووسط أوروبا، تمثل التدفئة الجزء الأكبر من استهلاك الطاقة في المباني، ولذلك يمكن حتى لتغير معتدل في متوسط درجات الحرارة السنوية أن يؤدي إلى تغير كبير في الطلب على الطاقة.

وأوضح ثيس أن تركّز الاحترار خلال الموسم الذي يصل فيه استهلاك الطاقة إلى أعلى مستوياته يؤدي إلى تأثير كبير على الحسابات الهندسية المتعلقة بأداء المباني.

زيادة الحاجة إلى التبريد في جنوب أوروبا

وفي المقابل، تشير التوقعات إلى زيادة واضحة في الطلب على التبريد في جنوب أوروبا ومنطقة البحر المتوسط مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة.

ومن المتوقع أن تظهر احتياجات جديدة للتبريد في مناطق لم تكن تعتمد تاريخيًا على أنظمة تبريد مكثفة، ما يعني أن تصميم المباني المستقبلية يجب ألا يركز فقط على كيفية الحفاظ على الحرارة خلال الشتاء، بل أيضًا على كيفية التخلص منها خلال فترات الحر.

ويصبح ذلك أكثر أهمية مع زيادة موجات الحر الشديدة وطول فترات ارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي قد يرفع الطلب على الكهرباء لتشغيل أجهزة وأنظمة التكييف.

وبالتالي، فإن التغير المناخي يعيد تشكيل المعادلة التي تحكم استهلاك الطاقة في المباني الأوروبية، من تقليل احتياجات التدفئة في الشمال إلى زيادة احتياجات التبريد في الجنوب.

تغير المناخ يفرض إعادة تصميم مباني أوروبا

بيانات تُستخدم بالفعل في أوروبا

بدأ باحثون في عدد من الدول الأوروبية، من بينها الدنمارك وبولندا وإسبانيا، بالفعل في استخدام مجموعة البيانات الجديدة ضمن أبحاث تتعلق بأداء الطاقة في المباني والتكيف مع تغير المناخ.

ويشير استخدام البيانات من جانب فرق بحثية في دول مختلفة إلى وجود طلب متزايد منذ سنوات على بيانات مناخية مستقبلية متسقة، وقابلة للاستخدام مباشرة في عمليات محاكاة أداء المباني.

وتوفر قاعدة البيانات الجديدة فرصة للمهندسين والمخططين وصانعي السياسات للانتقال من تصميم المباني وفق مناخ الماضي إلى تصميمها وفق الظروف التي يُتوقع أن تواجهها خلال عمرها التشغيلي.

ومع استمرار تغير المناخ، لم يعد كافيًا أن يكون المبنى مناسبًا للطقس الحالي عند افتتاحه، بل يجب أن يكون قادرًا على التكيف مع المناخ الذي سيعمل في ظله لعقود طويلة.

وتؤكد الدراسة أن تصميم مباني المستقبل يبدأ بفهم مناخ المستقبل، وأن دمج توقعات تغير المناخ في معايير التصميم يمكن أن يساعد أوروبا على تقليل مخاطر ارتفاع استهلاك الطاقة، وتعزيز كفاءة المباني، والاستعداد بصورة أفضل للحرارة المتزايدة خلال العقود المقبلة.

Exit mobile version