تكشف سجلات رسوبية جديدة من بحر النرويج نظرة نادرة ومقربة على السرعة التي يمكن أن تتفكك بها الأنظمة الطبيعية عندما ترتفع حرارة الكوكب بوتيرة متسارعة.
خلال إحدى فترات الاحترار العالمي الشديد في الماضي، انهارت الغابات الساحلية على طول هامش القطب الشمالي خلال بضعة قرون فقط.
وأعقب ذلك سلسلة من التغيرات المتتابعة، شملت حرائق غابات واسعة النطاق، وتعرية شديدة للتربة، وتدفق كميات كبيرة من الكربون مرة أخرى إلى الغلاف الجوي.
تُظهر الدراسة كيف يمكن للأنظمة البيئية البرية أن تنتقل بسرعة من تخزين الكربون إلى إطلاقه، ما يؤدي إلى تضخيم الاحترار المناخي لفترة طويلة بعد زوال المحفز الأولي.
نُشرت الدراسة في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، قاد البحث ماي نيلِسن، الباحثة في مرحلة الدكتوراه بالمعهد الملكي الهولندي لأبحاث البحار وجامعة أوتريخت.
الاحترار السريع يمحو الغابات
كشفت سجلات حبوب اللقاح والأبواغ عن انهيار سريع لغابات الصنوبريات قرب الساحل القطبي مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون.
أدت الضغوط الحرارية ونقص المياه إلى تراجع بقاء الأشجار، بينما استعمرت السرخسيات الأرض العارية التي خلّفها اختفاء الغابات.
وقالت نيلسن: «تمكّنا من رصد اختفاء الغطاء النباتي المهيمن من الصنوبريات خلال مدة لا تتجاوز 300 عام من بداية الزيادة الحادة في ثاني أكسيد الكربون، وظهور كثيف للسرخسيات في الموقع المدروس».
واستمر هذا التحول النباتي لآلاف السنين، ما يشير إلى أن تعافي النظم البيئية تأخر كثيرًا مقارنة بسرعة الاحترار.
زيادة نشاط حرائق الغابات
في الوقت نفسه، أظهرت شظايا الفحم المحفوظة في الطبقات الرسوبية نفسها أن حرائق الغابات أصبحت أكثر تكرارًا خلال تلك الفترة المضطربة.
وتحوّل الحرائق الأخشاب الحية إلى دخان ورماد، تاركة وراءها جزيئات فحم دقيقة تنتقل إلى البحار المجاورة.
وأضافت نيلسن: «هذا يعني أن كميات هائلة من الكربون كانت مخزنة في الغابات الصنوبرية الواسعة».
وعندما احترقت تلك الغابات، انتقل جزء كبير من هذا الكربون إلى الغلاف الجوي، بينما أصبحت التربة المتفحمة أكثر عرضة للتعرية.
التعرية تغذي حلقات التغذية الراجعة المناخية
أظهرت نبضات غنية بالطين داخل العينات أن الفيضانات حملت كميات ضخمة من تربة الغابات إلى البحر مع استمرار الاحترار.
وبعد فقدان الجذور والغطاء النباتي، أصبحت المنحدرات تفقد التربة بسرعة أكبر، إذ تحوّل جريان مياه الأمطار من التغلغل في الأرض إلى الانسياب السطحي.
وشمل هذا التآكل مواد عضوية قديمة مثل الكيروجين، وهو كربون مدفون داخل الصخور الرسوبية منذ ملايين السنين.
وعندما تعرّض هذا الكربون للأكسجين، بدأت الميكروبات والتفاعلات الكيميائية في تفكيكه، مطلقة كربونًا ظل محبوسًا لفترات جيولوجية طويلة.
اضطراب اليابسة يعمّق الاحترار العالمي
يمكن للاضطرابات البرية أن تُفاقم الاحترار عبر حلقات تغذية راجعة إيجابية، حيث يؤدي الضرر البيئي إلى تسريع تغير المناخ.
وأدّت حرائق الغابات وتعرية التربة إلى نقل الكربون من مخازنه الطبيعية، فيما أطلقت الأنشطة الميكروبية جزءًا منه على هيئة ثاني أكسيد الكربون.
وقالت نيلسن: «إن الكربون المنبعث إلى الغلاف الجوي نتيجة الاضطرابات البرية، بما في ذلك الحرائق وتعرية التربة، يمكن أن يزيد من حدة الاحترار العالمي».
ما الذي أشعل الاحترار السريع؟
يُعرف هذا الحدث باسم «الحد الأقصى الحراري للعصر الباليوسيني–الإيوسيني»، ووقع قبل نحو 56 مليون عام.
وتشير الأدلة إلى انبعاث مفاجئ لكميات هائلة من الكربون، لكن السبب الدقيق لا يزال غير محسوم.
وقد يكون ذلك نتيجة مزيج من العوامل، مثل زعزعة استقرار هيدرات الميثان أو النشاط البركاني.
تحمّض المحيطات
أظهرت الرواسب البحرية فقدانًا حادًا لكربونات قاع البحر، نتيجة امتصاص مياه المحيط لكميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.
وأدى ذلك إلى زيادة حموضة المياه، ما صعّب على الكائنات البحرية بناء هياكلها الكلسية.
دروس للحاضر
رغم اختلاف الظروف، تشير المقارنات إلى أن الانبعاثات الحالية أسرع من تلك التي شهدها الكوكب خلال ذلك الحدث القديم.
وتبرز هذه النتائج خطورة الوتيرة السريعة للانبعاثات الحديثة، التي لا تترك للنظم البيئية وقتًا كافيًا للتكيف.
