د.طارق قابيل: قراءة عن بُعد في نتائج COP27

كاتب، ومترجم- ومحرر علمي- عضو هيئة التدريس -كلية العلوم -جامعة القاهرة

تابعت مؤتمر المناخ عن بعد، ولم تتيسر لي الظروف للمشاركة فيه على الرغم من الجهد الكبير الذي بذلته خلال العام السابق للمؤتمر، والعمل عن قرب مع مؤسسات دولية ومحلية في تحرير الكتب والمقالات والأبحاث والقيام بدراسات علمية، والمساهمة الكبيرة في مجال الثقافة العلمية الخاصة بالتغيرات المناخية بشكل مكثف، لأهمية هذا الحدث التاريخي والكبير الذي عقد على أرض مصرنا الحبيبة، لأول مرة.

وبالطبع كان الدافع الكبير بالنسبة لي، هو نوع من المسؤولية الاجتماعية، والمساهمة بخبراتي العلمية المتنوعة في أداء هذا الواجب الوطني دون انتظار أي فوائد مادية أو عينية.

لهذا جاءت معظم انطباعاتي عن المؤتمر عن طريق المتابعة عن بعد، وسأحاول أن أخذك – عزيزي القارئ – في جولة بين أروقة قمة المناخ السابعة والعشرين في أيامها الأخيرة، مع محاولة لتحليل البيان النهائي الصادر عنها مستعينا بمجموعة من التقارير الحديثة التي نشرت في دورية نيتشر” العلمية الشهيرة.

وبحسب المجلة لعلمية الشهيرة، فقد بدأ هذا الحدث الضخم مزيجًا غريبًا بين كونه سيركًا ومعرضًا تجاريًا، لكن المفاوضات الفعلية – على الأقل تلك التي جرت خلف الأبواب المغلقة – اتسمت في أغلبها بالإخلاص والإصرار وأصابت الوفود المشاركة بالإرهاق.

اتفاق معيب ولكن تاريخي

تقول فلورا جراهام، محرِّرة أولى في موجز لدورية “نيتشر”: بعد مَدِّ المُهلة النهائية لقمة المناخ من يوم الجمعة إلى صباح الأحد، وبينما كان العاملون عاكفين على فك وإزالة الأجنحة المقامة بالمؤتمر، كان المفاوضون يبذلون أقصى ما لديهم من طاقة للوصول إلى اتفاق معيب، ولكن تاريخي، أما خارج غرف المفاوضات، فقد بدا أن المؤتمر يُمحَى من على الخريطة.

فبين عشيَّةٍ وضحاها، اختفت مئات الحافلات المجانية ذات الألوان المبهرة التي تعمل بالكهرباء أو الغاز الطبيعي، والتي كانت تعجُّ بها تلك المدينة الساحلية، لتكون تذكِرةً واضحة على أن النوايا الحسنة سريعًا ما تتبخر في الهواء.

نقاط حرجة

ومن النتائج المهمة أن الصيغة النهائية تضمنت ذكرًا لمصطلح “نقاط حرجة” للمرة الأولى، في إشارة إلى التحولات الحادة في النظام الأرضي التي لا رجعة فيها – مثل فقدان غابات الأمازون المطيرة، أو الصفيحة الجليدية غرب القارة القطبية الجنوبية – وهي تحولات يمكن أن يكون لها تأثيرات سلبية متعاقبة على صلاحية الكوكب للحياة.

وسيظهر فيما بعد ما إذا كانت الإنجازات الصامتة لقمة المناخ السابعة والعشرين ستقلب الموازين من أجل مستقبل أفضل.

ما حدث للمرة الأولى في مؤتمر الأطراف الخاص بتغير المناخ، أن خرج النص النهائي بدعم لإصلاح جهات تمويل كبرى، على غرار صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يعتبران حجر أساس في الاقتصاد العالمي.

كما ينص اتفاق قمة المناخ السابعة والعشرين أيضًا على أن “ضمان الأمن الغذائي والقضاء على الجوع” أولوية أساسية.
حالة من الإحباط.

الوقود الأحفوري

لكن ثمة جانب إيجابي، في الوقع، على الرغم من تحقيق بعد النجاحات، إلا أن مؤتمر الأمم المتحدة السابع والعشرين للمناخ أنهي أعماله يوم الأحد الماضي، وسط حالة من الإحباط عمَّت أوساط الباحثين بسبب انخفاض سقف الطموح فيما يتعلق بالانصراف التام عن الوقود الأحفوري.

حيث ألقت أزمة الطاقة التي تسبب فيها الغزو الروسي لأوكرانيا بظلال واسعة على الموقف الأوروبي، ما أدى إلى تردد الدول الأوروبية بشأن تعهداتها بالامتناع عن الاستثمار في الوقود الأحفوري.

وأُضيفت صيغة جديدة إلى الاتفاق النهائي تدعو إلى التطور السريع في أنظمة الطاقة “منخفضة الانبعاثات”، وهو الأمر الذي يخشى كثيرون أنه قد يُستخدم لتبرير مزيد من التنمية القائمة على الغاز الطبيعي.

الخسائر والأضرار

أما الجانب الإيجابي فيكمُن في خروج وفود الدول ذات الدخل المنخفض والدخل المتوسط باتفاق على صندوق جديد “لتعويض الخسائر والأضرار”، يهدف إلى مساعدة تلك الدول على تغطية تكاليف آثار التغير المناخي.

وتحوَّلت دفَّة الاتحاد الأوروبي نحو دعم الصندوق، ممارسًا ضغوط على الولايات المتحدة، التي لطالما عارضت كل ما من شأنه أن يحمِّلها أية مسؤولية مالية عن انبعاثاتها الضخمة على مدار التاريخ.

الاتحاد الأوروبي يتجه إلى رفع سقف تعهداته المناخية

من ناحية أخري، أعلن فرانس تيمرمانز، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، عَزْمَ الاتحادِ الأوروبي خفضَ انبعاثاته الكربونية بنسبة 57% بحلول عام 2030، ليكون بذلك قد رفع سقف تعهداته المناخية من 55% في العام الماضي.

وذكر تيمرمانز أن هذه الخطوة تعكس إصرار الاتحاد على تحقيق طموحاته المناخية، رغم أزمة الطاقة التي تمخَّضت عن الاجتياح الروسي لأوكرانيا، وخاطب الوفود المشاركة في قمة المناخ السابعة والعشرين (COP27)، التي عُقدَتْ في مدينة شرم الشيخ المصرية، قائلًا: “لا تستمعوا إلى مَن يقول – داخل هذه القاعدة أو خارجها – إن الاتحاد الأوروبي سوف ينكُص عن تعهداته”.

ومع ذلك، هناك مَن يتهم الاتحاد بالتلاعُب بالأرقام، باحتسابه كميات الكربون التي تمتصُّها الأراضي والغابات الطبيعية.

‏رسالة جو بايدن ‏ لم تُستقبَل بترحابٍ من الجميع

أما الرئيس الأمريكي جو بايدن فقد ألقى خطابًا في الحادي عشر من نوفمبر الجاري في قمة المناخ السابعة والعشرين (COP 27)، التي عُقدت في مدينة شرم الشيخ المصرية، عبَّر فيه عن التزام بلاده بالعمل على مكافحة تغيُّر المناخ.

وعدد الرئيس الإجراءات المتخَذة في هذا الشأن إبان فترة رئاسته، ومنها تمرير تشريع مناخي هام، يُخصَّص بموجبه مبلغ قيمته 368 مليار دولار أمريكي لدعم الطاقة النظيفة، ونزع الكربون من الأنشطة الاقتصادية.

وحثَّ بايدن زعماء العالم على اتخاذ مزيدً من هذه الإجراءات، قائلًا: “الولايات المتحدة تتخذ خطواتٍ في هذا المضمار، وعلى الجميع أن يتخذ خطواتٍ مماثلة. هذا هو الدور المنُوط بزعماء العالم، وهذه مسؤوليتهم”.

غير أن رسالته هذه لم تُستقبَل بترحابٍ من الجميع؛ فقد رفع متظاهرون أصواتهم بالهتاف أثناء إلقاء الرئيس كلمته.

وما إن انتهى منها حتى أعرب عدد من العلماء عن إحباطهم من موقف الولايات المتحدة حيال أزمة المناخ

ومن هؤلاء، محمد أدو، مؤسس مركز الأبحاث الذي يحمل اسم «باور شيفت أفريكا»، الذي أدلى بتصريحاتٍ لموقع «بي بي سي» قال فيها: “جو بايدن خرج علينا في COP27 بوعودٍ جديدة، وهو الذي لم يَفِ بوعوده القديمة”.

أكبر صفقة مفردة تُرصَد لتمويل الأهداف المناخية‏

من ناحية أخري، لم تخلُ قمة العشرين، التي عُقدَت الأسبوع الماضي في إندونيسيا، هي الأخرى من التعهُّدات المناخية المهمة، فقد أعلنت الولايات المتحدة وإندونيسيا عن اتفاقٍ بين الجانبين بقيمة 20 مليار دولار أمريكي لمساعدة إندونيسيا على التخلِّي عن الفحم مَصدرًا للطاقة.

وسوف يُجمع هذا المبلغ من حكومات الدول الثرية (في الشمال العالمي)، فضلًا عن مؤسسات القطاع الخاص، ومنها مجموعة البنوك وشركات إدارة الأصول المنضوية تحت ما يُعرف بتحالف جلاسكو المالي من أجل صافي انبعاثات صفري (GRANZ).

ومعلِّقًا على هذا الاتفاق، صرَّح مسؤول أمريكي بأنه أكبر صفقة مفردة تُرصَد لتمويل الأهداف المناخية.

ومع بدء بطولة كأس العالم، ألتفت العالم لسحر الكرة المستديرة، وخفت الحديث بسرعة عن التغيرات المناخية ومؤتمر المناخ، ومع ذلك، فأنني أتمنى أن يستمر هذا الزخم الخاص بهذه القضية العالمية والتي ستؤثر وبقوة على مستقبل البشرية طوال هذا العام في مصر وجميع دول العالم، وبالطبع أتمنى أن يستمر الحديث والعمل في جميع الأعوام القادمة للبحث عن حلول جدية لهذه المشكلة التي تهدد بقاء البشر على قيد الحياة على هذا الكوكب الأزرق الجميل الذي تجاوزنا في حقه كثيرا.

Exit mobile version