كيف يساعد البرد على إبطاء الشيخوخة؟ دراسة تكشف دورًا مفاجئًا للعضلات

من العضلات إلى الأمعاء.. كيف يطلق البرد آلية طبيعية لمقاومة الشيخوخة؟

كشفت دراسة علمية جديدة عن آلية جزيئية قد تفسر جانبًا من قدرة درجات الحرارة المنخفضة على إطالة العمر في بعض الكائنات، بعدما حدد الباحثون جزيئًا تنتجه العضلات استجابة للبرد، ويساعد على الحد من مظاهر الشيخوخة في الديدان، كما أظهر تأثيرات واعدة في خلايا بشرية مرتبطة بأمراض عصبية تنكسية.

وحدد الباحثون الجزيء BH2، الذي ارتفعت مستوياته لدى ديدان صغيرة تُعرف علميًا باسم Caenorhabditis elegans عند تعريضها لدرجات حرارة منخفضة نسبيًا. وأظهرت التجارب أن إنتاجه في العضلات لا يقتصر تأثيره على هذه الأنسجة، بل يرسل إشارة كيميائية تستفيد منها أنسجة أخرى في الجسم.

والأكثر أهمية أن زيادة إنتاج هذا الجزيء في عضلات الديدان ساعدت على إطالة عمرها حتى في درجات الحرارة العادية والدافئة، ما يشير إلى أن بعض آثار البرد قد ترتبط بإشارات بيولوجية محددة، وليس فقط بتباطؤ عمليات الأيض.

وفي تجارب منفصلة، قلل BH2 تراكم البروتينات غير الطبيعية في خلايا بشرية مرتبطة بمرض هنتنجتون والتصلب الجانبي الضموري، كما ساعد على تقليل موت خلايا عصبية حركية مشتقة من الخلايا الجذعية.

ومع ذلك، لا تزال النتائج في مرحلة مبكرة؛ إذ أُجريت اختبارات إطالة العمر على الديدان، بينما اقتصر اختبار التأثيرات المرتبطة بالأمراض العصبية على خلايا مزروعة في المختبر، ولم تثبت الدراسة أن الجزيء يطيل عمر الإنسان أو يعالج هذه الأمراض.

كيف حفّز البرد إنتاج الجزيء؟

قاد البحث هيون جو لي وديفيد فيلتشيز من مركز أبحاث الشيخوخة CECAD بجامعة كولونيا الألمانية، بهدف فهم الأسباب البيولوجية التي تجعل بعض الكائنات تعيش فترة أطول عند تعرضها لبرودة معتدلة.

وتُربى ديدان التجارب عادة عند درجة حرارة تبلغ نحو 20 درجة مئوية، بينما تُعد درجة 25 درجة مئوية دافئة بالنسبة إليها، وعندما نقل الباحثون الديدان البالغة إلى بيئة تبلغ حرارتها 15 درجة مئوية، لاحظوا زيادة ملحوظة في عمرها.

ولفهم ما يحدث داخل أجسامها، قارن الفريق التركيب الكيميائي للديدان بعد خمسة أيام عند درجات الحرارة المختلفة.
وأظهرت تجربتان مستقلتان ارتفاع مستويات 45 جزيئًا صغيرًا لدى الديدان التي عاشت في البرد، وكان BH2 من بين الجزيئات التي سجلت أكبر الزيادات.

كما ارتفعت مستويات مركبات مرتبطة به، من بينها الحمضان الأمينيان فينيل ألانين وتيروزين، وبدأ ارتفاع BH2 منذ اليوم الأول من مرحلة البلوغ، واستمر حتى اليوم العاشر على الأقل.

وينتمي BH2 إلى المسار الكيميائي المرتبط بجزيء آخر يُعرف باسم BH4، وهو الشكل النشط من عامل مساعد تحتاج إليه إنزيمات متعددة لأداء وظائفها.
ويُعد BH2 الشكل المستقر وغير النشط من هذا العامل، بينما تستطيع الخلايا تحويله إلى الشكل النشط عند الحاجة.

ورصد الباحثون ارتفاعًا في مستويات إنزيم CAT-4، الذي يبدأ إنتاج BH2، لدى الديدان المعرضة للبرد، وعندما خفّضوا نشاط هذا الإنزيم في الديدان البالغة، اختفى معظم أثر البرد الإضافي في إطالة العمر.
لكن خفض نشاطه لدى الديدان التي عاشت في درجات الحرارة العادية أو الدافئة لم يؤثر بالطريقة نفسها في عمرها.

وأشارت هذه النتيجة إلى أن الإنزيم والجزيء المرتبط به يؤديان دورًا مهمًا في الاستجابة التي تمنح الديدان فائدة إضافية من البرودة.

العضلات تتحول إلى مصدر لإشارات مقاومة الشيخوخة

الشيخوخة

من أبرز نتائج الدراسة أن العضلات لم تكن مجرد نسيج يستجيب لتغير الحرارة، بل أدت دورًا في إرسال إشارات كيميائية إلى بقية الجسم.

ففي درجات الحرارة العادية، كان إنزيم CAT-4 موجودًا بمستويات منخفضة جدًا في العضلات، بينما ارتفع إنتاجه بوضوح عند التعرض للبرد.

وعندما قلل الباحثون نشاط الإنزيم في العضلات وحدها، تراجع العمر الإضافي الذي اكتسبته الديدان في البيئة الباردة.
وفي المقابل، لم يؤدِ خفضه في الأمعاء أو الأعصاب أو الجلد أو الخلايا التناسلية إلى التأثير نفسه. وشملت اختبارات العمر 96 دودة في كل مجموعة.

لكن إنتاج BH2 في العضلات لم يكن كافيًا وحده؛ إذ احتاجت أنسجة أخرى إلى إنزيم يحوّل الجزيء إلى صورته النشطة.
وأظهرت التجارب أن الديدان المعرضة للبرد اعتمدت على هذا الإنزيم في الأعصاب والأمعاء والخلايا التناسلية، وليس في العضلات.
كما احتاجت إلى بروتينات ناقلة تساعد على إدخال الجزيء إلى الخلايا.

وتشير النتائج إلى آلية مترابطة: تنتج العضلات الجزيء استجابة للبرد، ثم ينتقل إلى أنسجة أخرى حيث يجري استخدامه في عمليات تؤثر في مظاهر الشيخوخة.

وظهر أحد آثار هذه الآلية في الأمعاء. فمع تقدم الديدان في العمر، يميل بروتين معوي يُعرف باسم IFB-2 إلى التكتل، بينما ساعد التعرض للبرد على الحد من هذه الظاهرة.
وعندما خفّض الباحثون إنتاج الإنزيم في العضلات وحدها، عاد البروتين إلى التكتل رغم وجود الديدان في الظروف الباردة.

كما ارتبط ارتفاع إنتاج الإنزيم في العضلات ببقاء البروتين المعوي في حالة أقل تكتلًا، وانخفاض اختراق البكتيريا للأمعاء لدى الديدان المسنة.

زيادة الجزيء أطالت عمر الديدان حتى في الأجواء الدافئة

الديدان

بعد رصد العلاقة بين البرد وإنتاج BH2، اختبر الفريق ما إذا كانت زيادة إنتاجه قادرة على محاكاة بعض فوائد البرودة دون خفض درجة الحرارة.

ولهذا الغرض، عدّل الباحثون الديدان وراثيًا لزيادة إنتاج إنزيم CAT-4 في عضلاتها، بصرف النظر عن درجة الحرارة المحيطة بها.

وأظهرت النتائج أن هذه الديدان عاشت فترة أطول في البيئات الباردة والعادية والدافئة.
كما ظل البروتين IFB-2 أقل ميلًا إلى التكتل عند درجة الحرارة العادية، وانخفضت معدلات اختراق البكتيريا للأمعاء في مرحلة الشيخوخة.

لكن إضافة BH2 مباشرة إلى غذاء الديدان لم تحقق النتائج نفسها. ويرجح الباحثون أن امتصاص الديدان لهذا الجزيء محدود؛ فقد ارتبطت الإضافة بزيادة طفيفة في العمر لدى الديدان التي عاشت في البرد، دون زيادة مماثلة عند درجة الحرارة العادية.
ومع ذلك، حافظت الديدان التي تناولت BH2 على قدرتها على الحركة لفترة أطول، كما لم ينخفض عدد نسلها مقارنة بالديدان غير المعالجة.

وتوضح هذه النتائج أن طريقة إنتاج الجزيء داخل الجسم ومكان إنتاجه قد يكونان عاملين مهمين في تحديد تأثيره، وأن تناول الجزيء مباشرة لا يضمن الحصول على التأثيرات نفسها التي ظهرت عند زيادة إنتاجه في العضلات.

التيروزين يشارك في المسار المرتبط بإطالة العمر

لم يتوقف الباحثون عند BH2، بل فحصوا دور المسار الكيميائي المرتبط به. ويحتاج الشكل النشط BH4 إلى دعم أربعة إنزيمات في الديدان، لكن الاختبارات أظهرت أن أحدها كان مهمًا على نحو خاص في الاستجابة للبرد؛ وهو الإنزيم الذي يحول الحمض الأميني فينيل ألانين إلى تيروزين.

فالديدان التي افتقرت إلى هذا الإنزيم لم تحصل على الفائدة الكاملة من التعرض للبرد.
وعندما قدم الباحثون التيروزين للديدان البالغة، زاد عمرها في البيئات الباردة والعادية، كما ساعد على استعادة جزء من العمر المفقود لدى الديدان التي انخفض لديها إنتاج BH2.

وتدعم هذه النتائج وجود مسار أيضي يربط بين إنتاج BH2 وتكوين التيروزين وبعض التأثيرات المرتبطة بإطالة العمر، لكنها لا تعني أن تناول التيروزين أو BH2 لدى البشر سيؤدي إلى إبطاء الشيخوخة؛ إذ لم تختبر الدراسة هذا الاحتمال سريريًا.

تأثيرات واعدة في خلايا مرتبطة بأمراض عصبية

اختبر الفريق بعد ذلك BH2 والتيروزين على خلايا بشرية مزروعة في المختبر، عند درجة حرارة الجسم البشري البالغة 37 درجة مئوية.

وفي خلايا كلوية عُدلت وراثيًا لإنتاج البروتين الطافر المرتبط بمرض هنتنغتون، أدى التعرض لـBH2 لمدة ثلاثة أيام إلى انخفاض واضح في تكتل البروتين. ولم يكن هذا الانخفاض ناتجًا عن تراجع إنتاج البروتين نفسه، بل عن انخفاض ميله إلى التكتل. وأظهر التيروزين تأثيرًا مشابهًا في تكتلات بروتين هنتنغتون الطافر.

وامتد التأثير إلى بروتينين طافرين يسببان أشكالًا وراثية من التصلب الجانبي الضموري، وهو مرض عصبي يؤدي إلى تدهور الخلايا العصبية الحركية المسؤولة عن التحكم في العضلات.

كما استخدم الباحثون خلايا عصبية حركية مشتقة من خلايا جذعية تحمل طفرة شديدة مرتبطة بالمرض. وكانت هذه الخلايا تموت بوتيرة أسرع في المختبر مقارنة بخلايا سليمة مماثلة، لكن التعرض لـBH2 أو التيروزين قلل من موتها.

وتوفر هذه النتائج دليلًا أوليًا على أن المسار الكيميائي الذي دُرس في الديدان قد تكون له صلة بآليات تلف البروتينات وبقاء الخلايا العصبية البشرية. لكنها لا تثبت أن الجزيئين يمنعان الإصابة بهنتنغتون أو التصلب الجانبي الضموري، ولا أن تأثيرهما في الخلايا المزروعة سيتكرر داخل جسم الإنسان.

لماذا لا تعني النتائج أن التعرض للبرد يطيل عمر الإنسان؟

رغم أن الدراسة بدأت من ملاحظة أن البرودة المعتدلة تطيل عمر الديدان، فإن نقل هذه النتيجة إلى البشر ليس أمرًا مباشرًا.

فالديدان، مثل كثير من الكائنات متغيرة الحرارة، تعتمد على البيئة المحيطة في تنظيم درجة حرارة أجسامها. أما الإنسان، فيحافظ على درجة حرارة داخلية مستقرة نسبيًا، ويستجيب للبرد بزيادة إنتاج الحرارة.

ولهذا، لا يعني النوم في غرفة باردة بالضرورة انخفاضًا ملحوظًا في درجة حرارة الجسم الداخلية، ولا تثبت الدراسة أن الاستحمام بالماء البارد أو التعرض لدرجات حرارة منخفضة يبطئ الشيخوخة لدى البشر.

كما وجد الباحثون أن تأثير BH2 يعتمد على قدرة الخلايا على تحويله إلى الشكل النشط. وعندما عرّضوا الخلايا البشرية لمادة تسبب الإجهاد التأكسدي، لم يعد BH2 يوفر الحماية نفسها، بينما استمر التيروزين في إظهار تأثيره في ظروف التجربة.

وأشار الباحثون كذلك إلى أن الشكل النشط BH4 يشارك في عمل إنزيم موجود في الأوعية الدموية لدى الثدييات، وهو ما يثير تساؤلات بشأن تأثير هذه المسارات في الجسم الحي، وهي أمور لا تستطيع تجارب الخلايا وحدها حسمها.

الطريق إلى العلاج لا يزال طويلًا

يمثل BH2 ومسار التيروزين نقطة انطلاق لدراسة كيفية انتقال الإشارات الأيضية بين العضلات وبقية الأنسجة، وكيف يمكن لهذه الإشارات التأثير في بعض مظاهر الشيخوخة وتراكم البروتينات.

لكن الانتقال إلى التجارب البشرية يتطلب تحديد الجرعات المناسبة، وفهم كيفية امتصاص الجزيئات وانتقالها وتحولها داخل الجسم، ثم تقييم سلامتها وآثارها الجانبية قبل اختبار فعاليتها في تجارب سريرية.

وأوضح الباحثون أن استخدام BH4 موجود بالفعل في علاج بعض المرضى المصابين باضطراب بيلة الفينيل كيتون، لكن هذا الاستخدام لا يثبت سلامة BH2 أو فعاليته في إطالة العمر؛ فالجزيئان مختلفان، ولا يمكن اعتبار نتائج علاج أحدهما دليلًا على فوائد الآخر.

كما أن الباحثين هيون جو لي وديفيد فيلتشيز مدرجان في طلب براءة اختراع قيد النظر، يتعلق باستخدام BH4 والمواد الأولية المرتبطة به والجزيئات الناتجة عنه للوقاية من اضطرابات الحركة أو علاجها.

ونُشرت الدراسة في دورية Nature، وتفتح المجال لمزيد من الأبحاث حول الإشارات الكيميائية التي تربط استجابة العضلات للحرارة بوظائف الأنسجة الأخرى.
أما إمكانية تطوير علاج يحاكي بعض فوائد البرد في مقاومة الشيخوخة أو حماية الخلايا العصبية، فلا تزال فرضية بحثية تحتاج إلى اختبارات واسعة قبل معرفة ما إذا كانت قابلة للتطبيق لدى البشر.

↑
Exit mobile version