كيف يرى البشر العالم بالطريقة نفسها رغم اختلاف أدمغتهم؟

سر الإدراك المشترك بين البشر.. نمط عصبي موحد وراء رؤيتنا للأشياء

كشفت دراسة جديدة، أن أدمغة البشر، رغم اختلافها الكبير بين الأفراد، تنظم المعلومات البصرية وفق نمط مشترك يجعلنا نتفق على ما نراه.
شارك في البحث 19 شخصًا مصابًا بالصرع، كانت لديهم أقطاب كهربائية مزروعة في الدماغ لأغراض طبية، أتاحت هذه التقنية للباحثين تسجيل النشاط الكهربائي المباشر من القشرة البصرية أثناء مشاهدة صور وجوه ومنازل وأدوات وأجسام وأنماط وحيوانات.
نُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications.
اعتمد الفريق على تسجيلات EEG داخل الجمجمة (iEEG) التي تلتقط الإشارات السريعة التي لا يمكن لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي رصدها.
وقد أظهرت كل صورة اندفاعًا من النشاط العصبي، تم تلخيصه في أنماط قابلة للمقارنة بين الفئات المختلفة من الصور.
وأوضح الباحثون أن النشاط عالي التردد في هذه التسجيلات يعكس بوضوح نشاط الخلايا العصبية المحلية، ما جعله أداة مثالية لفهم كيفية ترميز الدماغ للمعلومات البصرية.

الحفاظ على العلاقات العصبية يتيح للناس تسمية المشاهد والأشياء بنفس الطريقة

أحياء عصبية متجاورة

بدلًا من مقارنة الخلايا التي تستجيب لكل صورة، ركّز العلماء على العلاقات بين الأنماط العصبية؛ فمثلًا، إذا أظهرت أدمغة الأشخاص استجابات متقاربة للقطط والكلاب، ومختلفة للأفيال، فإن هذا النمط يتكرر لدى الآخرين أيضًا.
وهكذا، يتضح أن أدمغتنا ترتب الأشياء المتشابهة ضمن “أحياء عصبية” متجاورة، حتى وإن اختلفت الخلايا الدقيقة المسؤولة عن ذلك من شخص لآخر.

الحفاظ على العلاقات العصبية يتيح للناس تسمية المشاهد والأشياء بنفس الطريقة

قارنت الدراسة بين ثلاث طرق لترميز المعلومات:

– ترميز نمط التفعيل، حيث تتشابه الاتجاهات العصبية نفسها بين الأفراد.

– الترميز العلاقي (relational coding)، الذي يركز على العلاقات الهندسية بين الاستجابات العصبية، مع الحفاظ على زوايا التفاعل دون الحاجة لتطابق الخلايا نفسها.

– النماذج الخطية المرنة، التي تسمح بتمدّد أو انحراف الأنماط العصبية.

الحفاظ على العلاقات العصبية يتيح للناس تسمية المشاهد والأشياء بنفس الطريقة

“الشفرة التمثيلية” للدماغ

وأظهرت النتائج أن الترميز العلاقي كان الأكثر دقة في التعميم على الصور الجديدة، متفوقًا على النماذج الأخرى، ما يشير إلى أن الثبات الهندسي للعلاقات العصبية هو ما يضمن إدراكًا بصريًا متشابهًا بين البشر.
ويقول ليبمان، إن هذا الاكتشاف يقربنا خطوة من فهم “الشفرة التمثيلية” للدماغ، أي الطريقة التي يحوّل بها النشاط العصبي المعقد إلى رموز إدراكية مشتركة.
ويرى الباحثون، أن هذه النتائج تتشابه مع ما يحدث في شبكات الذكاء الاصطناعي، إذ تنتهي النماذج المختلفة إلى بنى داخلية متقاربة رغم اختلاف تدريبها، وهو ما يعزز فهم التوازي بين الإدراك البشري والذكاء الصناعي.
كما أشار الفريق إلى أن الحفاظ على العلاقات العصبية، لا تطابق الخلايا، هو ما يتيح للناس تسمية المشاهد والأشياء بنفس الطريقة، ويضمن التواصل والفهم المشترك.
ويعتقد الباحثون، أن هذا النموذج يمكن أن يمهد لتطوير واجهات الدماغ والحاسوب التي تعمل بكفاءة عبر الأفراد، وأن يقود إلى تحسين توافق نماذج الذكاء الاصطناعي مع الإدراك البشري.

Exit mobile version