كيف يتكوّن التسونامي؟ موجات تعبر المحيط بسرعة 765 كم/ساعة وتتحول إلى خطر قاتل قرب السواحل

زلزال أو انهيار أرضي.. كيف تتشكل موجات التسونامي ولماذا يصعب التنبؤ بقوتها؟

رصد فضائي يكشف حركة موجات التسونامي في أعماق المحيط.. وتجارب معملية تفسر كيف تؤثر طبيعة الانهيارات الأرضية في قوة الموجات ومسارها

لا يحتاج التسونامي إلى جدار مائي شاهق في عرض المحيط حتى يصبح كارثة. فقد تتحرك موجاته في المياه العميقة بارتفاع محدود يصعب على السفن ملاحظته، بينما تعبر مسافات هائلة بسرعة تصل إلى نحو 765 كيلومترًا في الساعة، قبل أن يتغير سلوكها مع اقترابها من الساحل، فتتباطأ ويزداد ارتفاعها وقد تجتاح اليابسة بقوة مدمرة.

والفارق الأساسي بين التسونامي وموجات البحر المعتادة أن الرياح تحرك أساسًا الطبقات السطحية للمياه، بينما ينشأ التسونامي عندما تؤدي إزاحة مفاجئة لكمية كبيرة من المياه إلى تحريك عمود الماء من قاع البحر حتى سطحه. وهذه الخاصية تفسر قدرته على نقل الطاقة عبر المحيطات، ولماذا لا يعكس ارتفاع الموجة في عرض البحر بالضرورة حجم الخطر الذي قد تواجهه المناطق الساحلية.

وتكشف دراستان علميتان، إحداهما اعتمدت على رصد فضائي نادر لموجة تسونامي، والأخرى على تجارب معملية لمحاكاة الانهيارات الأرضية، تفاصيل جديدة عن نشأة هذه الموجات وانتقالها، والعوامل التي تؤثر في تقدير قوتها.

كيف يبدأ التسونامي؟

تحدث معظم موجات التسونامي نتيجة زلازل قوية تقع تحت قاع المحيط أو بالقرب منه، لكن ليس كل زلزال بحري قادرًا على توليد تسونامي خطير. فالأمر يعتمد على مجموعة من العوامل، أهمها قوة الزلزال وعمقه وطبيعة حركة الصدع، ومدى الإزاحة الرأسية التي يتعرض لها قاع البحر.

عندما يرتفع جزء واسع من قاع البحر أو يهبط فجأة، تتحرك المياه الموجودة فوقه، وتنطلق اضطرابات الموجة في اتجاهات متعددة. وكلما كانت الإزاحة مؤثرة في مساحة كبيرة من قاع البحر، زادت إمكانية توليد موجات تسونامي واسعة النطاق.

ويوضح زلزال وقع في 19 مايو 2023 جنوب شرقي جزر لويالتي، في جنوب غرب المحيط الهادئ، كيفية حدوث ذلك. فقد بلغت قوته 7.7 درجة، وامتد الصدع الذي تمزق خلاله لمسافة تقارب 95 كيلومترًا طولًا و48 كيلومترًا عرضًا، مع انزلاق لقاع البحر بلغ نحو 1.7 متر، وفق النموذج المستخدم لإعادة بناء مصدر الزلزال.

ولا تقتصر أسباب التسونامي على الزلازل؛ إذ يمكن أن تتولد موجاته أيضًا بسبب انهيارات أرضية ضخمة تنزلق إلى البحر، أو انهيار أجزاء من البراكين، أو سقوط أجسام فضائية في المحيط. وفي حالات نادرة، يمكن لاضطرابات جوية شديدة أن تولد موجات شبيهة بالتسونامي، تُعرف باسم «الميتيـوتسونامي»، عندما تتوافق سرعة الاضطراب الجوي مع ظروف حركة المياه.

ومن أبرز الأمثلة التاريخية على الموجات الناجمة عن الانهيارات الأرضية ما حدث في خليج ليتويا بألاسكا عام 1958، عندما أدى سقوط كتلة صخرية هائلة إلى اندفاع المياه على المنحدرات المحيطة، مسجلًا أعلى ارتفاع موثق لاندفاع موجة في التاريخ، لكنه لم يكن موجة تسونامي تقليدية ناتجة عن زلزال واسع في المحيط المفتوح.

تسونامي المتوسط

لماذا يصعب التنبؤ بالتسونامي الناتج عن الانهيارات الأرضية؟

يختلف تقدير موجات التسونامي الناتجة عن الانهيارات الأرضية عن تلك التي تسببها الزلازل. فالانهيار الحقيقي قد يتكون من صخور بأحجام مختلفة وحصى ومواد دقيقة ذات أسطح غير منتظمة، بينما تعتمد بعض النماذج المعملية التقليدية على حبيبات متجانسة نسبيًا، مثل الرمل أو الخرز الزجاجي.

ولا يقتصر تأثير هذا الاختلاف على شكل الانهيار؛ بل قد يمتد إلى طريقة انتقال الطاقة من الكتلة المنهارة إلى المياه، وبالتالي إلى ارتفاع الموجة وسرعة تلاشيها.

ولفحص هذه المسألة، أجرى مهندسون في معهد ليختفايس للهندسة الهيدروليكية والموارد المائية بجامعة براونشفايغ التقنية في ألمانيا 43 تجربة داخل قناة مائية معملية، أُطلقت خلالها مواد حبيبية على منحدر بزاوية 30 درجة باتجاه مياه ذات عمق ثابت.

واختبر الباحثون مواد خشنة بأحجام حبيبات مختلفة، وقارنوا الموجات الناتجة بها بتلك التي تولدها مواد أكثر نعومة وانتظامًا.

وأظهرت التجارب أن الموجات الناتجة عن الخلطات الخشنة وغير المنتظمة تلاشت على طول القناة بسرعة أكبر من الموجات الناتجة عن الخرز الأملس. واقترح الفريق تعديلًا على إحدى معادلات التنبؤ المستخدمة في هذا المجال، بحيث تراعي شكل الحبيبات وملمس أسطحها.

ونُشرت الدراسة في مارس 2026 في مجلة Journal of Geophysical Research: Oceans. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة عند محاولة تقدير مخاطر الانهيارات الأرضية الكبيرة في المناطق الساحلية، حيث يمكن أن تؤثر خصائص المواد المنهارة في دقة النماذج المستخدمة للتنبؤ بالموجات.

حركة موجات التسونامي في أعماق المحيط.

سرعة التسونامي قد تقترب من سرعة الطائرات النفاثة

تعتمد سرعة التسونامي في المياه العميقة أساسًا على عمق المياه، وليس على حجم الموجة وحده. وتُحسب سرعته التقريبية من العلاقة بين الجاذبية وعمق الماء؛ فكلما زاد العمق، زادت سرعة انتقال الموجة.

وعلى عمق يقارب 4600 متر، يمكن أن تبلغ سرعة التسونامي نحو 765 كيلومترًا في الساعة، وفق الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي.

وبهذه السرعة، قد تصل موجة ناشئة قرب جزر ألوشيان إلى هاواي خلال نحو خمس ساعات، بينما يمكن لموجة انطلقت قبالة البرتغال أن تصل إلى ساحل ولاية كارولاينا الشمالية في قرابة ثماني ساعات ونصف.

وتسمح هذه السرعة لمراكز الإنذار بتقدير أوقات وصول الموجات إلى مناطق بعيدة، حتى قبل معرفة ارتفاعها النهائي عند السواحل. لكن تحديد حجم الخطر بدقة يظل أكثر تعقيدًا، لأنه يتأثر بمصدر التسونامي وخصائص قاع البحر وشكل الساحل.

وفي المحيط المفتوح، يكون التسونامي عادة طويل الموجة ومنخفض الارتفاع؛ إذ قد تتراوح المسافة بين قمتين متتاليتين من نحو 500 إلى 1000 كيلومتر، بينما نادرًا ما يتجاوز ارتفاعه مترًا واحدًا. ولهذا قد تمر موجة تسونامي تحت قارب في عرض البحر من دون أن يلاحظ ركابه تغيرًا واضحًا.

وقد تفصل بين قمم الموجات فترات تتراوح من خمس دقائق إلى ساعتين، وهو ما يعني أن وصول الموجة الأولى لا يشير بالضرورة إلى انتهاء الخطر.

سرعة التسونامي قد تقترب من سرعة الطائرات النفاثة

قمر صناعي يرصد موجة تسونامي من الفضاء

كان قياس موجات التسونامي في أعماق المحيط يعتمد بدرجة كبيرة على عوامات متخصصة ترصد تغيرات الضغط في مواقع محددة، إلى جانب النماذج الحاسوبية التي تحاول تقدير ما يحدث بين نقاط القياس.

لكن قمر «سوات» (SWOT)، الذي أطلقته وكالة ناسا ووكالة الفضاء الفرنسية في ديسمبر 2022، أتاح فرصة مختلفة لرصد سطح البحر على نطاق واسع، باستخدام رادار قادر على قياس ارتفاع سطح المياه عبر شريط يبلغ عرضه نحو 120 كيلومترًا.

ولم يُصمم القمر أساسًا لمراقبة التسونامي، إلا أن مروره فوق جنوب غرب المحيط الهادئ بعد نحو ساعة من زلزال جزر لويالتي في 19 مايو 2023 أتاح للعلماء التقاط صورة تفصيلية نسبيًا للموجة أثناء انتقالها عبر المحيط.

وأظهرت البيانات أن مقدمة الموجة المرصودة كانت على بُعد نحو 630 كيلومترًا من مركز الزلزال، وبلغ ارتفاعها قرابة 15 سنتيمترًا، فيما تجاوزت المسافة بين قممها 100 كيلومتر. أما الموجات الأقرب إلى مصدر الزلزال، فكانت أقصر وأقل ارتفاعًا، إذ بلغ ارتفاعها بضعة سنتيمترات فقط.

ورصد العلماء أيضًا اختلافات في توقيت وصول أجزاء الموجة، وهي ظاهرة ترتبط بما يُعرف بالتشتت؛ إذ تتحرك الموجات الأطول قليلًا أسرع من الموجات الأقصر، ما يؤدي إلى تمدد مجموعة الموجات مع انتقالها عبر المحيط.

وبلغ متوسط عمق المياه على مسار القمر نحو 3000 متر، ما يتوافق مع سرعة انتقال تقارب 620 كيلومترًا في الساعة.

وعندما قارن الباحثون البيانات الفضائية بنتائج المحاكاة الحاسوبية، وجدوا توافقًا جيدًا في توقيت وصول مقدمة الموجة، لكن ارتفاعات الموجات المرصودة كانت نحو ضعف ما توقعه النموذج.

وأشار الباحثون إلى أن عدم الدقة في تمثيل مصدر الزلزال قد يكون أحد أسباب هذا الاختلاف، ما يبرز أهمية تحسين النماذج التي تربط خصائص الزلازل بحركة المياه الناتجة عنها.

صورة فضائية لـ Dickson Fjord بعد التسونامي، تُظهر أثر الانهيار الجبلي على المياه وسطح البحر

ونُشرت نتائج الرصد في فبراير 2026 في مجلة Natural Hazards and Earth System Sciences. كما أثارت مشاهدات فضائية لتسونامي كامتشاتكا في يوليو 2025 أسئلة مماثلة بشأن دقة النماذج المستخدمة في تقدير ارتفاع الموجات وانتقالها.

لماذا يرتفع التسونامي عندما يقترب من الشاطئ؟

يحدث التحول الأخطر عندما تدخل موجة التسونامي مياهًا أقل عمقًا. فمع اقترابها من الساحل، تنخفض سرعتها بسبب تراجع عمق المياه، وقد تتباطأ إلى نحو 30–50 كيلومترًا في الساعة.

لكن انخفاض السرعة لا يعني أن الموجة أصبحت آمنة. إذ يؤدي التفاعل بين الموجة وقاع البحر إلى تقصير طولها الموجي، ويمكن أن يزداد ارتفاعها مع انتقال الطاقة إلى عمود مائي أقل عمقًا. وقد تتحول موجة منخفضة نسبيًا في عرض البحر إلى اندفاع مائي يبلغ عدة أمتار أو عشرات الأمتار في بعض المواقع، وفقًا لطبيعة مصدرها وشكل الساحل.

وتؤثر التضاريس البحرية في شدة الموجة ومسارها؛ فالأخاديد تحت الماء قد تغير اتجاه انتشارها، بينما يمكن للخلجان والموانئ أن تضخم بعض آثارها أو تجعل المياه تتذبذب داخلها لساعات بعد وصول الموجة الأولى.

كما أن طبيعة المواد التي تحملها المياه قد تزيد من الأضرار. فعندما تجرف الموجة الطين والرواسب والحطام، قد يصبح اندفاعها أكثر تدميرًا من تدفق المياه وحدها، كما أظهرت دراسات تناولت تسونامي اليابان عام 2011.

تسونامي المحيط الهندي

ست بوصات من المياه المتحركة قد تُسقط شخصًا بالغًا

تكمن خطورة التسونامي في أن قوة المياه المتحركة قد تكون مدمرة حتى عندما لا تبدو عميقة. وتحذر الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي من أن تدفق المياه بعمق نحو 15 سنتيمترًا قد يكون كافيًا لإسقاط شخص بالغ، فيما يمكن لعمق يبلغ نحو 30 سنتيمترًا أن يحرك سيارة صغيرة أو يجعلها تطفو.

وقد لا تكون الموجة الأولى هي الأكبر، إذ يمكن أن تصل موجات أكثر ارتفاعًا أو قوة بعدها، ويستمر الخطر لساعات. لذلك لا ينبغي اعتبار تراجع المياه أو مرور الموجة الأولى دليلًا على زوال التهديد.

وتشمل العلامات الطبيعية التي تستدعي التحرك الفوري نحو مكان مرتفع أو بعيد عن الساحل: الشعور بزلزال قوي أو طويل قرب البحر، أو ملاحظة ارتفاع أو انخفاض مفاجئ وغير معتاد في مستوى المياه، أو سماع هدير قوي قادم من اتجاه البحر.

وفي هذه الحالات، لا ينبغي انتظار رسالة تحذير رسمية إذا كانت العلامات الطبيعية واضحة؛ بل يجب اتباع مسارات الإخلاء وتعليمات السلطات المحلية.

لماذا يرتفع التسونامي عندما يقترب من الشاطئ؟

الاستعداد المبكر يقلل الخسائر

تعتمد حماية المجتمعات الساحلية من التسونامي على أنظمة الإنذار المبكر، وخرائط مخاطر الغمر، ومسارات الإخلاء الواضحة، والتدريبات التي تساعد السكان على معرفة ما يجب فعله عند وقوع الخطر.

وتدعم برامج دولية، من بينها برنامج «تسونامي ريدي» التابع لليونسكو، جهود إعداد المجتمعات الساحلية وتعزيز قدرتها على الاستجابة. كما تتيح المراكز الدولية المتخصصة مواد توعوية تساعد السكان على التعرف إلى علامات التسونامي والتصرف بطريقة صحيحة.

وتوضح الأبحاث الحديثة أن فهم التسونامي لا يتوقف عند معرفة مصدره أو حساب سرعته؛ بل يتطلب تحسين قياسات المحيطات، وتطوير نماذج أكثر دقة، وفهم تأثير قاع البحر والسواحل في حركة الموجات. فالدقائق والساعات المتاحة للتحذير قد تصنع فارقًا كبيرًا بين كارثة واسعة وخسائر أقل.

↑
Exit mobile version