فقرار إنشاء مصنع جديد، أو اختيار موقع مركز بيانات، أو تحديد مصادر المواد الخام، أو اعتماد تكنولوجيا معينة، أو تصميم منتج، أو توقيع عقد توريد، أو تسعير أحد المخاطر، قد يحدد بصمة الشركة البيئية وقدرتها على الصمود وتكاليفها لسنوات، وربما لعقود.
ومن هنا تنتقل الاستدامة إلى مرحلة جديدة: من الطموح والتعهدات إلى التنفيذ الفعلي داخل القرارات التي تصنع الأعمال نفسها.
ويكشف الإصدار الأول من تقرير آفاق مسؤولي الاستدامة الرئيسيين 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، استنادًا إلى آراء 103 من كبار مسؤولي الاستدامة، أن 63% منهم يتوقعون أن يظل التقدم العالمي في مجال الاستدامة مستقرًا أو يتسارع خلال العام المقبل.
لكن التفاؤل لا يخفي بيئة أكثر تعقيدًا؛ إذ تتغير القوى التي تدفع التحول، بينما تفرض حالة عدم اليقين السياسي والضغوط الاقتصادية والتوترات الدولية تحديات مباشرة أمام التنفيذ.
الاستدامة لم تعد ملفًا منفصلًا
تُظهر نتائج الاستطلاع أن أقوى محركات التقدم خلال السنوات الثلاث المقبلة لن تكون بالضرورة الشعارات أو الالتزامات الجديدة، وإنما الجدوى الاقتصادية والتكنولوجيا القابلة للتطبيق.
فقد وضع 64% من المشاركين تعزيز المبررات الاقتصادية لإجراءات الاستدامة في صدارة عوامل تسريع التقدم، بينما رأى 56% أن انخفاض تكلفة التقنيات المستدامة وزيادة قابليتها للتطبيق سيكونان من أهم محركات التحول.
وهذا يعني أن الاستدامة تصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما ترتبط بالقرارات المتعلقة بما يتم تمويله وبناؤه وتوسيعه، وليس فقط بما تعلنه الشركات في تقاريرها.
لكن الأسواق والتكنولوجيا لا تعملان بمعزل عن البيئة السياسية والاقتصادية.
فقد اعتبر 68% من مسؤولي الاستدامة عدم اليقين بشأن السياسات أكبر عائق متوقع أمام التقدم، يليه ضغط الأعمال قصير الأجل بنسبة 61%، ثم التوترات الدولية بنسبة 54%.
وهذه العوامل تدفع نحو ما يصفه التقرير بـ”التباين الأخضر”؛ أي تحرك القطاعات والأسواق بسرعات مختلفة، وبمزيج مختلف من اعتبارات التنافسية والمرونة وأمن الطاقة والأولويات الصناعية.
لماذا أصبحت وظيفة مسؤول الاستدامة أكثر استراتيجية؟
يكشف الاستطلاع عن تحول في النظرة إلى وظيفة مسؤول الاستدامة داخل الشركات.
ورغم أن 65% من المشاركين ما زالوا يرون الاستدامة بصورة أساسية من زاوية الامتثال، فإن 41% يقولون إنها تُنظر بالفعل إليها باعتبارها مصدرًا للنمو أو القيمة التجارية.
وهنا تظهر المهمة الجديدة لمسؤول الاستدامة: لم يعد دوره يقتصر على تحديد الأهداف أو الدفاع عن برامج الاستدامة، وإنما أصبح مرتبطًا بربط الواقع البيئي بالآليات التي تخلق الشركة من خلالها القيمة.
في القطاع المصرفي، قد يعني ذلك تحسين قرارات الإقراض، واستراتيجيات القطاعات، والتعامل مع العملاء، وتخصيص المحافظ الاستثمارية.
وفي الصناعة، يمكن أن يمتد التأثير إلى تصميم المنتجات، واختيار المواد، والمشتريات، والعلاقات مع الموردين.
وعبر مختلف القطاعات، يصبح التحدي هو العمل مع إدارات التمويل والتكنولوجيا والعمليات والمخاطر والقيادات التنفيذية، بحيث تدخل الاستدامة فعليًا في قرارات الاستثمار والانضباط التشغيلي.
القرار التجاري قد يكون أهم من تقرير الاستدامة
الرسالة الأساسية التي يطرحها التقرير هي أن مسؤول الاستدامة لا يملك بالضرورة كل قرار يؤثر في النتائج البيئية للشركة.
لكن تأثيره يأتي من رفع جودة القرارات في مختلف أنحاء المؤسسة.
فيمكنه مساعدة الإدارات على تحديد الموارد التي تعتمد عليها الشركة، والمخاطر الناتجة عن هذا الاعتماد، ومجالات رفع الكفاءة التي قد تتحول إلى هوامش ربح، والابتكارات التي يمكن أن تفتح مصادر جديدة للقيمة.
ولهذا يرتبط دور مسؤول الاستدامة بصورة متزايدة بالابتكار والإنتاجية ونماذج الأعمال الجديدة، وليس فقط بخفض الانبعاثات.
كما أن ثلثي المشاركين تقريبًا يتوقعون أن يتحول صنع القرار داخل الشركات بصورة أكبر نحو أولويات الأداء قصير الأجل، وهو ما يجعل قدرة مسؤولي الاستدامة على تقديم مبررات تجارية واضحة للاستثمارات طويلة الأجل أكثر أهمية.
الذكاء الاصطناعي يكشف معضلة الاستدامة الجديدة
يقدم الذكاء الاصطناعي مثالًا واضحًا على التحدي الجديد الذي تواجهه الشركات.
فما يقرب من ثلاثة أرباع مسؤولي الاستدامة يتوقعون أن يساعد الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الأخرى في دفع التقدم في مجال الاستدامة، عبر نمذجة المخاطر، وتحسين العمليات، ورفع كفاءة استخدام الموارد، والقياس وإعداد التقارير.
لكن في المقابل، يرى 77% أن كثافة استهلاك الطاقة والموارد في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي تمثل أكبر آثاره السلبية على الاستدامة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: التكنولوجيا التي يمكن أن تساعد الشركات على خفض استهلاك الموارد وتحسين الكفاءة قد تخلق في الوقت نفسه طلبًا متزايدًا على الطاقة والبنية التحتية والموارد.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد: هل الذكاء الاصطناعي مفيد للاستدامة؟
بل أصبح: كيف تستخدمه الشركات بطريقة تحقق مكاسب بيئية وتشغيلية دون تجاهل تكلفته البيئية والاجتماعية؟
تجربة عملية: الذكاء الاصطناعي يخفض الطاقة والانبعاثات
يقدم برنامج MINDS التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي مثالًا على إمكانية تحويل هذه المعادلة إلى تطبيق عملي.
فبحسب دراسة حالة للمنتدى، أفادت شركة شنايدر إلكتريك بأن أنظمة الشبكات المصغرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ساعدت على خفض استهلاك الطاقة بنسبة 14% وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 28% لكل موقع سنويًا عبر 97 موقعًا.
والأهمية هنا لا تكمن في الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية بحد ذاته، وإنما في استخدامه لمعالجة مشكلة تشغيلية حقيقية؛ إذ جاءت مكاسب الاستدامة من تحسين إدارة الطاقة والموارد.
لكن تعميم هذه التجربة يتطلب معالجة قضايا أخرى، من جودة البيانات والحوكمة إلى البنية التحتية، وإدارة المخاطر، وتحديد الاستخدامات التي تحقق نتائج قابلة للقياس.
التكيف المناخي يدخل اختبار الاستثمار
لا يقتصر التحدي على الذكاء الاصطناعي، فالتكيف مع تغير المناخ يطرح سؤالًا أكثر صعوبة بالنسبة للمستثمرين: كيف يمكن تقييم قيمة المرونة قبل وقوع الضرر؟
يتوقع 85% من مسؤولي الاستدامة أن يصبح التكيف مع تغير المناخ محورًا أكبر للاهتمام عالميًا، بينما يرى 77% أن الاستثمار الخاص سيكون حاسمًا في توسيع نطاق التكيف.
لكن في المقابل، يعتبر 62% أن عدم وضوح تقييم التكلفة والعائد يمثل عائقًا رئيسيًا أمام استثمارات التكيف.
وهذه المشكلة منطقية من منظور الاستثمار التقليدي؛ فمشروعات التكيف قد لا تحقق إيرادات واضحة ومباشرة، لأن قيمتها الاقتصادية تظهر غالبًا في صورة خسائر لم تحدث أصلًا.
فاستثمار شركة في حماية مصنع من الفيضانات، أو تأمين سلسلة إمداد ضد موجات الحرارة، قد لا يظهر عائده كدخل جديد، وإنما في صورة توقف إنتاج تم تجنبه، أو أصول تم إنقاذها، أو قدرة أسرع على استعادة النشاط.
كيف نجعل المرونة قابلة للاستثمار؟
يتطلب توسيع استثمارات التكيف أدوات أفضل لنمذجة المخاطر، ودراسات جدوى أكثر مصداقية، ونماذج واضحة للإيرادات أو السداد، وآليات لتقاسم المخاطر.
لكن الأمر يحتاج أيضًا إلى تغيير في طريقة التفكير الاستثماري.
فالمرونة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها مجرد تأمين ضد مستقبل بعيد، وإنما باعتبارها عنصرًا يدخل في الاستراتيجية الحالية للشركة.
وبهذا المنظور، تصبح حماية الأصول، وتأمين سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على الموارد المعرضة للمخاطر، والاستثمار في البنية التحتية القادرة على الصمود، قرارات تجارية مرتبطة باستمرارية الأعمال وليس مجرد إنفاق بيئي.
قرارات اليوم ترسم مسارات الغد
المرحلة المقبلة من التحول نحو الاستدامة ستحددها بدرجة كبيرة الأصول والأنظمة والمنتجات والحوافز التي تختارها الشركات اليوم.
فقرار استثماري واحد يمكن أن يربط الشركة لسنوات بمورد شحيح، أو تقنية مرتفعة التكلفة، أو بنية تحتية معرضة للمخاطر المناخية.
وفي الاتجاه المقابل، يمكن للقرار نفسه أن يرفع الإنتاجية، ويخفض استهلاك الموارد، ويدعم الابتكار، ويزيد القدرة على الصمود، ويفتح مصادر جديدة للقيمة.
وهنا تصبح مهمة مسؤول الاستدامة أكثر تعقيدًا من مجرد امتلاك ملف الاستدامة.
فدوره هو مساعدة الشركة على إدخال الواقع البيئي والمناخي في القرارات التي تحدد مستقبل الأعمال.
من “الاستدامة” إلى منطق الأعمال
تكشف نتائج استطلاع المنتدى الاقتصادي العالمي أن التحول لم يعد يدور فقط حول حجم الطموحات التي تعلنها الشركات، وإنما حول قدرتها على تحويل هذه الطموحات إلى قرارات قابلة للتنفيذ.
فالسياسات الحكومية تظل عنصرًا أساسيًا لتوفير ظروف الاستثمار ونشر التقنيات، لكن تفاوت السياسات بين الدول والأسواق يجعل قدرة الشركات على بناء نماذج أعمال مرنة أكثر أهمية.
وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع تكلفة التقنيات في بعض المجالات، وعدم اليقين بشأن العوائد، وضغوط الأداء قصيرة الأجل إلى اختبار قدرة المؤسسات على الحفاظ على استثماراتها طويلة المدى.
ومن هنا فإن الاستدامة الأكثر دوامًا هي تلك التي تجد طريقها إلى الميزانية، وقرار الاستثمار، وإدارة المخاطر، والمشتريات، وتصميم المنتجات، وسلاسل الإمداد.
وبحسب رؤية مسؤولي الاستدامة المشاركين، فإن المرحلة المقبلة لا تتطلب أن يمتلك مسؤول الاستدامة التحول وحده، بل أن يساعد المؤسسة بأكملها على اتخاذ قرارات أفضل.
وفي النهاية، قد يكون أهم تحول في دور مسؤول الاستدامة هو انتقاله من سؤال “ما الذي نريد أن نعلنه؟” إلى سؤال أكثر عملية: “ما الذي سنبنيه ونموّله ونشتريه ونشغّله اليوم، وما الذي يعنيه ذلك لقدرة الشركة على الصمود وخلق القيمة غدًا؟”
فقرارات اليوم لا تحدد فقط البصمة البيئية للشركات، بل قد تحدد أيضًا تكلفتها وقدرتها التنافسية ومرونتها ومساحة الخيارات المتاحة أمامها خلال العقود المقبلة.
