قد يبدو تلوث البلاستيك مشكلة تبدأ لحظة إلقاء زجاجة على الشاطئ أو تراكم النفايات بالقرب من مكب للقمامة، لكن جذور الأزمة تمتد إلى ما هو أبعد من مرحلة التخلص من النفايات.
فالمشكلة تبدأ منذ إنتاج البلاستيك واستخدامه وتداوله تجاريًا، ثم وصوله في النهاية إلى أنظمة إدارة النفايات أو إلى البيئة.
وتشير ورقة بحثية جديدة إلى أن الدول لا تزال تقيس هذه المراحل بطرق مختلفة، ما يجعل مقارنة الأرقام العالمية أمرًا معقدًا.
ونُشرت الدراسة في دورية Science.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية كبيرة، لأن الحكومات لن تستطيع تقييم مدى نجاح القواعد الجديدة للحد من التلوث البلاستيكي إذا كانت الدول لا تحصي المواد نفسها بالطريقة نفسها.
وقاد الدراسة كوانيين تان، الأستاذ المساعد في جامعة تسينغهوا، بمشاركة رولاند غير، ودوجلاس مكولي، الأستاذين في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا.
وقال غير إن أحد أكبر المخاوف يتمثل في غياب متطلبات واضحة للإبلاغ عن البيانات في النسخة الأولى من معاهدة عالمية بشأن البلاستيك.
لماذا تهم أرقام البلاستيك؟
بدأت مفاوضات الأمم المتحدة بشأن اتفاق دولي ملزم قانونًا لمواجهة التلوث البلاستيكي في عام 2022.
وبعد خمس جولات من المفاوضات، لم تتمكن الدول من التوصل إلى اتفاق، فيما كان من المقرر عقد جولة أخرى في مارس 2027.
ولا تقدم الورقة البحثية تجربة علمية جديدة أو قاعدة بيانات عالمية جديدة لقياس التلوث، وإنما تركز على الثغرات الموجودة في بيانات البلاستيك الحالية، وتقترح إنشاء نظام مشترك للإبلاغ عن البيانات بين الدول.
وأوضح تان أن القلق بشأن ضعف الاهتمام بالبيانات وآليات الإبلاغ ازداد مع تقدم المفاوضات، وأصبح أحد الدوافع الرئيسية لإعداد الدراسة.
أين يختفي البلاستيك من الإحصاءات؟
تبدو إحدى المشكلات بسيطة، لكنها تحمل تداعيات كبيرة: الدول لا تتفق دائمًا على المواد التي ينبغي إدراجها ضمن تعريف البلاستيك، وبالتالي قد لا تكون الأرقام الوطنية قابلة للمقارنة بشكل مباشر.
ويُعد البولي إيثيلين تيرفثالات (PET) أحد الأمثلة على ذلك.
فقد أنتجت الصين نحو 12.7 مليون طن أمريكي، أي 11.52 مليون طن متري، من PET المستخدم في عبوات المشروبات عام 2022، لكن الورقة تشير إلى أن هذه الكمية لم تكن مدرجة في إحصاءات إنتاج البلاستيك التي جرى تحليلها.
وتواجه الألياف الصناعية مشكلة مشابهة، إذ قد تُدرج ضمن قطاعات المنسوجات أو الصناعات الخفيفة بدلًا من تصنيفها ضمن إنتاج البلاستيك.
وبلغ الإنتاج العالمي من الألياف الصناعية نحو 75 مليون طن متري في عام 2023، بينما بقي معدل إعادة تدويرها عالميًا أقل من 12%.
وقال مكولي إن مطالبة جميع دول العالم بالإبلاغ عن بيانات تفصيلية للبلاستيك «من المهد إلى اللحد» تمثل فكرة طموحة، لكنها ضرورية لفهم حجم المشكلة.
المواد الكيميائية تضيف فجوة أخرى
لا يقتصر الأمر على كمية البلاستيك المنتجة، إذ تحتوي المنتجات البلاستيكية على عدد كبير من المواد الكيميائية التي تضاف إليها لتحسين خصائصها أو تسهيل تصنيعها ومعالجتها.
وتشير الورقة إلى وجود 16,325 مادة كيميائية مرتبطة بالبلاستيك تُستخدم في عمليات الإنتاج والمعالجة والتصنيع.
ومن بين هذه المواد، جرى اكتشاف أكثر من 3,200 مادة كيميائية في البلاستيك، وتُصنف 26.7% من المواد المكتشفة باعتبارها خطرة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب عدم الكشف التجاري عن أنواع وكميات بعض المواد الكيميائية المستخدمة في المنتجات البلاستيكية.
وقد يجعل نقص هذه المعلومات من الصعب تقييم المخاطر الصحية، أو تحديد ما إذا كانت بعض النفايات البلاستيكية مناسبة لإعادة الاستخدام أو إعادة التدوير.
ويرى مكولي أن العالم بحاجة إلى بناء نظام متكامل لجمع بيانات البلاستيك، على غرار أنظمة الرصد التي تستخدمها الدول في قطاعات بيئية أخرى.
أربعة محاور لنظام عالمي موحد
يقترح الباحثون أن يركز نظام الإبلاغ الوطني على أربعة محاور رئيسية:
إنتاج البلاستيك وتجارته
المواد الكيميائية المضافة إلى البلاستيك
استخدام البلاستيك في المنتجات
إدارة النفايات البلاستيكية
ويختصر غير الفكرة في مبدأ بسيط: لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه.
ووفق المقترح، ستقدم الدول مجموعة من البيانات الأساسية القابلة للمقارنة، بحيث يمكن استخدامها لاحقًا في الحسابات والتقديرات الأكبر.
ولا يعني ذلك ضرورة تتبع كل قطعة بلاستيكية منفردة تتحرك داخل الاقتصاد، وإنما توفير بيانات وطنية أساسية وموحدة يمكن الاعتماد عليها.
البلاستيك المستخدم اليوم قد يصبح نفايات غدًا
لا يتحول كل البلاستيك المنتج اليوم إلى نفايات في العام نفسه.
فبعض المنتجات البلاستيكية تُستخدم لفترة قصيرة ثم تُرمى، بينما تستمر منتجات أخرى في الخدمة لسنوات طويلة.
ولهذا يقترح الباحثون أن يتضمن نظام البيانات معلومات عن كمية البلاستيك التي تستخدمها القطاعات الاقتصادية المختلفة، إلى جانب متوسط العمر المتوقع للمنتجات البلاستيكية.
ولا تزال بعض التقديرات الحالية لعمر المنتجات تعتمد على معلومات يعود بعضها إلى ما يقرب من عقد من الزمن.
ويقول الباحثون إن الدول قد لا تتفق بسهولة على كمية البلاستيك التي ينبغي للعالم إنتاجها كل عام، لكنها تستطيع على الأقل الاتفاق على أهمية معرفة:
كمية البلاستيك المنتجة.
المواد الكيميائية المستخدمة فيه.
مسارات التجارة الدولية للبلاستيك.
حجم النفايات الناتجة عنه.
المكان الذي تنتهي إليه هذه النفايات.
ويمكن أن يساعد فهم العمر الافتراضي للمنتجات على تقدير موعد تحول البلاستيك المستخدم حاليًا إلى نفايات في المستقبل.
أرقام النفايات قد تكون مضللة
يقترح الإطار أيضًا الفصل بين المسارات المختلفة التي يسلكها البلاستيك بعد تحوله إلى نفايات.
فقد يُعاد تدويره، أو يُحرق، أو يُرسل إلى مدافن النفايات، أو يُدار بطريقة سيئة تسمح بتسربه إلى البيئة.
وتشير التقديرات إلى أن نسبة النفايات المنزلية سيئة الإدارة، والتي يمكن أن تشمل النفايات التي يجري التخلص منها في العراء أو حرقها بصورة غير منظمة، تقترب من 0% في أمريكا الشمالية و2% في أوروبا الغربية.
وفي المقابل، تصل التقديرات إلى نحو 87% في إفريقيا جنوب الصحراء و79% في جنوب آسيا وآسيا الوسطى.
لكن الباحثين يحذرون من أن كثيرًا من هذه الأرقام يعتمد على بيانات محدودة وتقديرات وحسابات، وليس بالضرورة على أنظمة رصد وطنية مباشرة وشاملة.
حتى مصطلح «معدل إعادة التدوير» قد يحمل معاني مختلفة من بلد إلى آخر.
فقد يشير إلى كمية البلاستيك التي جُمعت بهدف إعادة تدويرها، أو إلى المواد التي خضعت بالفعل لعملية إعادة التدوير.
وتورد الورقة تقديرًا لمعدل إعادة تدوير البلاستيك عالميًا يبلغ نحو 9%.
البلاستيك مادة مهمة.. لكن المشكلة في الاستخدام
لا يقول الباحثون إن البلاستيك مادة عديمة الفائدة.
على العكس، فإن البلاستيك يؤدي أدوارًا مهمة في قطاعات عديدة، من الرعاية الصحية والغذاء إلى النقل والتصنيع.
لكن المشكلة، بحسب الباحثين، تكمن في استخدام هذه المادة في تطبيقات لا تناسب خصائصها، ثم عدم امتلاك أنظمة فعالة للتعامل معها بعد انتهاء عمرها.
وقال مكولي إن البلاستيك مادة مهمة للغاية للقيام بالعديد من المهام، لكن استخدامها في أماكن لا تناسبها يمثل خللًا أساسيًا في التصميم.
وتتميز البوليمرات الاصطناعية التي تشكل أساس معظم أنواع البلاستيك بقدرتها الكبيرة على البقاء في البيئة، بدلًا من التحلل والعودة بسهولة إلى الدورات البيولوجية الطبيعية.
وأشار غير إلى انتشار البلاستيك على نطاق واسع ووصول جزء كبير منه إلى البيئة والكائنات الحية، بما في ذلك البشر، وهو ما يفسر القلق المتزايد بشأن آثاره.
ما الذي لا تقيسه المنظومة المقترحة؟
رغم أهمية النظام المقترح، فإنه لن يقيس بصورة مباشرة الأضرار التي يسببها البلاستيك للصحة البشرية أو البيئة أو الاقتصاد.
كما أنه لن يوفر بالضرورة قياسات روتينية شاملة للجسيمات البلاستيكية الدقيقة، أو «الميكروبلاستيك»، ولن يقدم وحده معلومات تفصيلية عن سمية المواد الكيميائية المختلفة.
فقد لا تكشف الأرقام الإجمالية للمواد الكيميائية ما إذا كانت قاعدة تستهدف مادة كيميائية بعينها تحقق هدفها بالفعل.
وتواجه الدول أيضًا اختلافات كبيرة في الموارد المتاحة لديها، وفي قدراتها على جمع البيانات وإدارتها وتحليلها.
ولهذا يؤكد الباحثون أن نجاح أي نظام عالمي للإبلاغ سيحتاج إلى تمويل ودعم فني وبناء قدرات وطنية، خصوصًا في الدول التي تفتقر إلى أنظمة متقدمة لرصد إنتاج البلاستيك والنفايات.
البيانات الأفضل لا تعني تلقائيًا تراجع التلوث
تحسين عملية جمع البيانات لن يؤدي بمفرده إلى خفض التلوث البلاستيكي.
لكن توفير تعريفات مشتركة وأرقام أكثر موثوقية يمكن أن يمنح الحكومات أساسًا أفضل لمعرفة ما إذا كان إنتاج البلاستيك واستخدامه وإعادة تدويره والتخلص من نفاياته يتغير بالفعل.
كما يمكن أن يساعد ذلك في تقييم فعالية السياسات الجديدة ومقارنة الأداء بين الدول، وتحديد الأماكن التي تحتاج إلى تدخل أو استثمارات أكبر.
وتتمثل الفكرة الأساسية للدراسة في أن فهم أزمة البلاستيك عالميًا يبدأ من معرفة حجمها ومساراتها بدقة أكبر.
ويرى الباحثون أن إنشاء برنامج عالمي موحد للإبلاغ عن بيانات البلاستيك يمكن أن يمثل خطوة أساسية نحو بناء سياسات أكثر استنادًا إلى الأدلة، بدءًا من مرحلة الإنتاج وحتى نهاية دورة حياة المنتجات.
