موقع قطع الأشجار أخطر من مساحته في زيادة مخاطر الفيضانات

دراسة جديدة تدعو لإعادة التفكير في إدارة الغابات للحد من مخاطر الفيضانات

كشفت دراسة علمية جديدة أن مخاطر الفيضانات بعد قطع الأشجار لا تعتمد فقط على حجم الغابات التي تتم إزالتها، بل تتحدد بدرجة أكبر وفقًا لموقع عمليات القطع وطبيعة الحوض المائي وخصائصه الجغرافية والمناخية، وهو ما قد يغير الطريقة التي تُدار بها الغابات للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية.

الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية (UBC) ونُشرت في دورية Advances in Water Resources، توصلت إلى أن الأحواض المائية الأكثر استواءً والأكثر دفئًا وجفافًا تكون أكثر عرضة لزيادة الفيضانات بعد إزالة الأشجار، بينما تقل هذه المخاطر في المناطق الجبلية ذات التفاوت الكبير في الارتفاعات.

قطع الأشجار

التضاريس تحدد الاستجابة للفيضانات

اعتمد الباحثون على تحليل بيانات تسعة أحواض مائية متجاورة في الغابات الساحلية بولاية أوريجون الأمريكية، وقارنوا بين أحواض تعرضت لقطع الأشجار وأخرى بقيت غاباتها سليمة.

وأظهرت النتائج أن استجابة الأحواض للفيضانات لا يحكمها فقط حجم الغابات المزالة، وإنما أيضًا مجموعة من العوامل الطبيعية، تشمل:

وقال الدكتور يونس العليلة، أستاذ علوم الغابات والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن السؤال لم يعد ما إذا كان قطع الأشجار يزيد الفيضانات، بل أصبح تحديد الظروف التي تجعل بعض الأحواض المائية أكثر حساسية من غيرها.

وأضاف أن فهم هذه العوامل يتيح التنبؤ بالمناطق التي قد يؤدي فيها قطع الأشجار إلى زيادة الفيضانات الصغيرة والمتكررة، وكذلك الفيضانات الكبيرة.

فقدان الأشجار

لماذا تختلف الأحواض المائية؟

توضح الدراسة أن المناطق الجبلية تشهد ذوبان الثلوج على ارتفاعات مختلفة وفي أوقات متباينة، وهو ما يوزع تدفقات المياه على فترات زمنية أطول ويحد من ذروة الفيضانات.

أما في الأحواض الأكثر استواءً، فيحدث ذوبان الثلوج بصورة متزامنة تقريبًا، فتتدفق كميات كبيرة من المياه إلى المجاري المائية في الوقت نفسه، ما يزيد احتمالات حدوث فيضانات شديدة، خاصة بعد إزالة الغطاء الشجري.

وقال نيك رونج، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن النتائج تتحدى الأسلوب التقليدي الذي يقيس مخاطر الفيضانات وفق نسبة الغابات المزالة فقط، مؤكداً أن تقييم المخاطر يجب أن يأخذ في الاعتبار تفاعل المناخ والتضاريس وخصائص الحوض المائي.

الضباب.. عامل غير متوقع

كشفت الدراسة أيضًا عن دور غالبًا ما يتم تجاهله في تشكيل مخاطر الفيضانات، وهو الضباب.

ففي الغابات الرطبة، تعمل الأشجار على التقاط الرطوبة من الضباب ونقلها تدريجيًا إلى التربة، كما تؤثر في طريقة تراكم الثلوج وذوبانها.

لكن إزالة الأشجار تعطل هذه العملية الطبيعية، ما يؤدي إلى زيادة الجريان السطحي للمياه، خاصة خلال فترات هطول الأمطار المتزامنة مع ذوبان الثلوج، وهو ما يزيد تذبذب أنماط الفيضانات بعد عمليات قطع الأشجار.

ويرى الباحثون أن هذا العامل لم يحظ بالاهتمام الكافي في الدراسات السابقة، رغم تأثيره الواضح في ديناميكيات المياه داخل الأحواض المائية.

قطع الأشجار

أهمية خاصة للمناطق الجبلية

يشير الباحثون إلى أن نتائج الدراسة تحمل أهمية كبيرة للمناطق التي تتشابه ظروفها المناخية مع شمال غرب المحيط الهادئ، ومنها أجزاء من كولومبيا البريطانية في كندا، التي شهدت فيضانات مدمرة خلال عام 2021 نتيجة ظاهرة “النهر الجوي”.

وأوضح الفريق أن الكمية نفسها من قطع الأشجار قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تمامًا حسب موقعها داخل الحوض المائي، وهو ما يستدعي تبني استراتيجيات لإدارة الغابات تراعي الخصائص الطبيعية لكل منطقة.

قطع الأشجار

إدارة أكثر دقة للغابات

دعا الباحثون إلى التحول من إدارة مناطق قطع الأشجار بصورة منفصلة إلى إدارة الغابات على مستوى الحوض المائي بالكامل، مع مراعاة قدرة كل منطقة على تنظيم تدفق المياه بصورة طبيعية.

وأكد كايل بيشوب، الباحث المشارك في الدراسة، أن كل حوض مائي يستجيب بصورة مختلفة للاضطرابات البيئية، وأن فهم هذه الاختلافات يسمح بوضع خطط أكثر فعالية للحد من مخاطر الفيضانات مع الحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتخلص الدراسة إلى أن دمج خصائص التضاريس والمناخ والهيدرولوجيا في تخطيط إدارة الغابات يمكن أن يسهم في تقليل مخاطر الفيضانات، وتعزيز قدرة النظم البيئية على التكيف مع تغير المناخ.

Exit mobile version