عاد القتال إلى إقليم تيجراي شمالي إثيوبيا، مع سيطرة قوات إقليمية على ثلاثة مطارات واندلاع اشتباكات في عدة مواقع مع القوات الفيدرالية الإثيوبية، في تطور يمثل أخطر تصعيد منذ انتهاء الحرب السابقة بين جبهة تحرير شعب تيجراي (TPLF) والحكومة المركزية باتفاق بريتوريا عام 2022.
ووفقًا لرويترز، وقعت الاشتباكات في 23 سبتمبر 2026 بعد أشهر من تصاعد التوترات، فيما وصفت التطورات بأنها بداية لهجوم واسع النطاق.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه إثيوبيا والمنطقة المحيطة بها سلسلة من الأزمات الأمنية المتداخلة، تشمل الحرب المستمرة في السودان، والتوتر بين إثيوبيا وإريتريا، والخلافات المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر، إلى جانب امتداد تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط إلى القرن الأفريقي.
كيف انهار اتفاق السلام؟
أنهى اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022 القتال الذي استمر عامين في تيجراي، وهو صراع أودى بحياة مئات الآلاف وفق تقديرات متداولة، لكنه ترك عددًا من القضايا السياسية والأمنية والإقليمية دون تسوية كاملة.
وكان الاتفاق مدخلًا لوقف الأعمال القتالية بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، مع ترتيبات تتعلق بنزع سلاح القوات التيجراوية وانسحاب القوات الأجنبية من المنطقة.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن إريتريا لم تكن طرفًا في اتفاق بريتوريا، رغم مشاركتها في الحرب السابقة إلى جانب القوات الإثيوبية.
وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت الخلافات داخل تيجراي وبين السلطات الإقليمية والحكومة المركزية.
كما أدى الانقسام داخل جبهة تحرير شعب تيجراي إلى تعزيز نفوذ جناح متشدد من الحزب، الذي أعاد تأكيد سيطرته على الإقليم وأطاح بالإدارة الانتقالية السابقة، وفقًا لرويترز.
وفي 21 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل تحالف أطلقت عليه «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء» بهدف الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
ويضم التحالف جماعات كانت متنافسة أو متحاربة في السابق، من بينها جبهة تحرير شعب تيجراي وحركة فانو الأمهرية، إضافة إلى جماعات من مناطق أوروميا وعفر وبني شنقول-قمز.
ولا يزال من غير الواضح حجم مشاركة جميع هذه الجماعات في اشتباكات 23 سبتمبر.
لماذا تبرز إريتريا في الأزمة؟
تمثل إريتريا أحد أهم العوامل التي قد تحدد مسار التصعيد الجديد، فعلاقة أسمرا وأديس أبابا شهدت تحسنًا كبيرًا بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة، إذ ساهم اتفاق السلام بين البلدين عام 2018 في إنهاء عقود من العداء، وحصل آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام عام 2019.
لكن العلاقة تدهورت مجددًا خلال السنوات التالية.
وخلال حرب تيجراي التي اندلعت في 2020، شاركت قوات إريترية إلى جانب القوات الحكومية الإثيوبية. وبعد اتفاق بريتوريا، لم تكن إريتريا طرفًا في عملية السلام، بينما نصت ترتيبات الاتفاق على انسحاب القوات الأجنبية من الإقليم.
وأشارت الأمم المتحدة في تقارير سابقة إلى استمرار وجود قوات إريترية في أجزاء من الأراضي الإثيوبية بعد الاتفاق، مع توثيق اتهامات بانتهاكات خطيرة، وهي اتهامات نفتها إريتريا.
وفي الأزمة الحالية، اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم أعضاء في التحالف المناهض للحكومة، بينما نفت أسمرا هذه الاتهامات، وبالتالي، فإن أي تدخل إريتري مباشر أو غير مباشر يمكن أن يحول المواجهة من أزمة داخلية إثيوبية إلى صراع يتجاوز حدود البلاد.
البحر الأحمر نقطة توتر إضافية
هناك عامل آخر يزيد حساسية العلاقة بين البلدين، وهو الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا، وقد أكدت الحكومة الإثيوبية مرارًا أن الحصول على منفذ بحري يمثل أهمية استراتيجية واقتصادية طويلة الأمد.
وتتركز الأنظار خصوصًا على ميناء عصب الإريتري، الذي ترى أديس أبابا أن الوصول إليه سيكون ذا أهمية بالنسبة لأمنها واقتصادها، بينما تخشى إريتريا من أن تتحول المطالب الإثيوبية إلى محاولة للسيطرة على الميناء بالقوة.
وهذا يجعل أي مواجهة جديدة في تيجراي مرتبطة أيضًا بحسابات أمنية وجيوسياسية أوسع في البحر الأحمر.
السودان يضيف طبقة جديدة من التعقيد
تأتي الأزمة الجديدة في وقت تخوض فيه السودان حربًا مستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما يجعل الحدود الإثيوبية والسودانية جزءًا من بيئة أمنية شديدة الاضطراب.
وتتهم إثيوبيا بدورها بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا، وبحسب رويترز، يرتبط هذا الاتهام أيضًا بعلاقات إثيوبيا الوثيقة مع الإمارات العربية المتحدة، التي تتهمها جهات دولية بدعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي هذه الاتهامات.
وفي المقابل، تحتفظ إريتريا بعلاقات أقرب مع السودان، كما طورت علاقات وثيقة نسبيًا مع مصر، التي تتنافس منذ سنوات مع إثيوبيا حول قضايا مياه النيل وسد النهضة.
سد النهضة يدخل في الحسابات الإقليمية
تزيد قضية سد النهضة الإثيوبي من تعقيد المشهد، فمصر والسودان تعتبران السد، الذي أقامته إثيوبيا على أحد روافد النيل، قضية مرتبطة بأمنهما المائي، بينما ترى إثيوبيا المشروع باعتباره عنصرًا أساسيًا في التنمية وتوليد الكهرباء.
وبالتالي، فإن تصاعد التوتر العسكري في شمال إثيوبيا لا يحدث بمعزل عن خلافات قائمة أصلًا بين أديس أبابا وجيرانها، خصوصًا مصر والسودان وإريتريا.
لماذا تختلف حرب تيجراي الجديدة عن الحرب السابقة؟
كانت الحرب بين الحكومة الإثيوبية وقوات تيجراي خلال الفترة 2020-2022 صراعًا داخليًا تحول إلى أزمة إقليمية مع مشاركة إريتريا وقوات من مناطق إثيوبية أخرى.
أما الآن، فإن البيئة الأمنية المحيطة أكثر تعقيدًا.
فإلى جانب تيجراي، توجد جماعات مسلحة في مناطق أخرى من إثيوبيا، فيما تتواصل الحرب في السودان، وتستمر التوترات حول البحر الأحمر والنيل، بينما أصبحت منطقة القرن الأفريقي أكثر ارتباطًا بالتنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
كما أن التحالف الذي أعلنته سبع جماعات مسلحة في سبتمبر يضم أطرافًا ذات خلفيات ومصالح مختلفة، ما يعكس اتساع نطاق المعارضة المسلحة للحكومة المركزية، لكنه لا يعني بالضرورة أن هذه الجماعات ستعمل كقوة موحدة؛ إذ توجد بينها خلافات بشأن الأراضي والسياسة والسلطة.
ما السيناريوهات التي تثير القلق؟
الخطر الأساسي يتمثل في تحول القتال في تيجراي من مواجهة محلية إلى صراع متعدد الأطراف إذا دخلت إريتريا بصورة مباشرة، أو امتد القتال إلى أقاليم إثيوبية أخرى، أو ارتبط بصورة أكبر بالحرب في السودان.
كما يمكن أن تؤدي أي مواجهة واسعة إلى ضغوط جديدة على الحدود وحركة السكان، وتزيد صعوبة إدارة ملفات الأمن والغذاء والمساعدات الإنسانية في منطقة سبق أن عانت آثار الحرب والنزوح.
وفي الوقت نفسه، لا يعني اندلاع القتال تلقائيًا أن حربًا إقليمية شاملة ستقع؛ فمسار الأحداث سيتوقف بدرجة كبيرة على قرارات الحكومة الإثيوبية، وقيادة تيجراي، وإريتريا، والجماعات المسلحة الأخرى، إضافة إلى جهود الوساطة والضغوط الدولية.
لكن تجدد القتال في تيجراي يفتح بالفعل أزمة جديدة في منطقة تتقاطع فيها الحرب السودانية، والتنافس على البحر الأحمر، والخلاف حول مياه النيل، والصراعات الداخلية الإثيوبية، ما يجعل احتواء التصعيد أكثر تعقيدًا من مجرد إعادة تطبيق اتفاق السلام السابق.
