كشفت دراسة علمية حديثة، أن انتشار فيروس غرب النيل داخل المدن لا يعتمد بالضرورة على كثافة البعوض كما كان يُعتقد سابقًا، بل يرتبط بدرجة أكبر بخصائص البيئة المحلية وتنوع الطيور التي تشكل جزءًا أساسيًا من دورة انتقال الفيروس.
وأظهرت النتائج أن بعض المناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من البعوض قد تكون أقل خطورة من مناطق أخرى تحتوي على أعداد أقل، وهو اكتشاف قد يغير استراتيجيات مراقبة الأمراض المنقولة بالحشرات في المدن حول العالم.
فيروس ينتقل بين الطيور والبعوض
يعد فيروس غرب النيل من الأمراض الفيروسية التي تنتقل أساسًا بين الطيور والبعوض. فعندما يتغذى البعوض على طائر مصاب، يلتقط الفيروس وينقله إلى طيور أخرى أو إلى الإنسان.
ورغم أن الإنسان يمكن أن يُصاب بالفيروس، فإنه لا يسهم في استمرار دورة انتقاله، إذ لا ينتج جسمه مستويات كافية من الفيروس تسمح للبعوض بنقله إلى أشخاص آخرين.
وفي معظم الحالات لا تظهر أعراض واضحة على المصابين، بينما يعاني بعضهم من الحمى والصداع وآلام الجسم. وفي حالات نادرة قد يصل الفيروس إلى الدماغ أو الجهاز العصبي المركزي، مسبّبًا ما يعرف بالمرض العصبي الغازي، وهو من أخطر مضاعفات العدوى وقد يؤدي إلى الوفاة في نحو 10% من الحالات الشديدة.
برلين تحت المجهر
أُجريت الدراسة بواسطة فريق بحثي من Charité – Universitätsmedizin Berlin بقيادة عالمة الفيروسات ساندرا يونغلين، بعد أن استقر فيروس غرب النيل في الطيور البرية بالعاصمة الألمانية برلين منذ عام 2018، ثم سُجلت أولى الإصابات البشرية في العام التالي.
وخلال موسمين صيفيين، جمع الباحثون أكثر من 24 ألف بعوضة من خمس مواقع مختلفة داخل حي واحد في برلين، لا تزيد المسافة بين أبعد موقعين فيها على 800 متر تقريبًا.
وشملت مواقع الدراسة مقبرة، ومنطقة سكنية غنية بالحدائق، وساحة خلفية شبه خالية من النباتات، وحوضًا لتجميع مياه الأمطار، إضافة إلى محمية طبيعية.
وكان من المتوقع أن تكون معدلات الخطر متشابهة نظرًا لقرب المواقع من بعضها البعض، إلا أن النتائج أظهرت تفاوتًا كبيرًا في معدلات انتشار الفيروس.
كثافة البعوض ليست العامل الحاسم
سجلت نحو 5% من عينات البعوض التي جُمعت خلال عام 2023 وجود فيروس غرب النيل، قبل أن تنخفض النسبة إلى نحو 2% في العام التالي.
لكن المفاجأة الكبرى تمثلت في أن المحمية الطبيعية، التي احتوت على أكبر أعداد من البعوض خلال عامي الدراسة، سجلت أدنى مستويات الإصابة بالفيروس.
وفي المقابل، شهدت بعض المناطق السكنية والمقبرة معدلات إصابة مرتفعة تضاهي المناطق الأوروبية المعروفة بتفشي الفيروس.
كما تبين أن أنواع البعوض كانت متشابهة تقريبًا في جميع المواقع، حيث سيطر بعوض المنازل الشائع، وهو الناقل الرئيسي للفيروس في أوروبا.
وأدى ذلك إلى استبعاد فرضية أن اختلاف أنواع البعوض أو أعداده هو السبب الرئيسي في اختلاف مستويات الخطر.
الطيور تصنع الفارق
عندما حلل العلماء عينات الدم الموجودة داخل البعوض لمعرفة الحيوانات التي تغذى عليها، ظهرت الصورة بشكل أوضح.
ففي المناطق ذات معدلات العدوى المرتفعة، كان البعوض يعتمد بشكل كبير على عدد محدود من الطيور الحضرية الشائعة مثل الحمام الخشبي وطائر القرقف الكبير، وهما من الأنواع القادرة على حمل الفيروس بكفاءة ونقله مجددًا إلى البعوض.
أما في المحمية الطبيعية، فقد أظهرت النتائج وجود تنوع أكبر بكثير في أنواع الطيور.
ويعتقد العلماء أن هذا التنوع يخفف من انتشار الفيروس عبر ما يعرف بـ”تأثير التخفيف”، حيث يتغذى البعوض على طيور متعددة، بعضها لا يحمل الفيروس بكفاءة، مما يقلل فرص انتقال العدوى داخل البيئة.
وتتوافق هذه النتائج مع دراسات طويلة الأمد أُجريت في شرق الولايات المتحدة، والتي أظهرت انخفاض معدلات الإصابة البشرية بفيروس غرب النيل في المناطق التي تتمتع بتنوع مرتفع في الطيور.
سلالة محلية مستقرة
كشف التحليل الجيني للفيروس أن معظم العينات تعود إلى سلالة محلية مستقرة أطلق عليها الباحثون اسم “سلالة برلين”.
وأظهرت البيانات، أن هذه السلالة استمرت في الانتشار داخل المدينة عبر سنوات متتالية، ما يؤكد أن الفيروس لم يكن يصل إلى المدينة بشكل عشوائي من الخارج، بل أصبح جزءًا من النظام البيئي المحلي.
كما تمكن العلماء من ربط بعض العينات الحالية بحالات بشرية وعينات بعوض جُمعت في المنطقة نفسها قبل سنوات، ما يعزز الأدلة على استمرار دورة انتقال الفيروس محليًا.
التغير المناخي يزيد التحديات
يشير الباحثون إلى أن التغير المناخي يلعب دورًا متزايدًا في توسع نطاق انتشار فيروس غرب النيل داخل أوروبا.
فارتفاع درجات الحرارة يساعد على زيادة أعداد البعوض وتسريع تكاثر الفيروس داخل أجسامه، كما أن الظواهر الجوية المتطرفة، مثل الأمطار الغزيرة، تخلق بيئات مناسبة لتكاثر الحشرات الناقلة.
وكان حوض تجميع مياه الأمطار أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ شهد ارتفاعًا يزيد على عشرة أضعاف في معدلات الإصابة بين شهري يوليو وأغسطس 2023 بعد فترات من الأمطار الصيفية الغزيرة التي أدت إلى تجمع المياه الراكدة.
إعادة التفكير في تخطيط المدن
تسلط الدراسة الضوء على أهمية دمج اعتبارات الصحة العامة والتنوع البيولوجي في تصميم المدن الحديثة.
فمع اتجاه العديد من المدن إلى زيادة المساحات الخضراء وإنشاء أنظمة لتجميع مياه الأمطار من أجل التكيف مع تغير المناخ، يجب مراعاة تأثير هذه البيئات على الحشرات الناقلة للأمراض.
ويرى الباحثون، أن تعزيز التنوع البيولوجي الحقيقي، بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الأنواع الشائعة من الطيور، قد يساعد في الحد من انتشار فيروس غرب النيل وتقليل مخاطر العدوى البشرية.
كما يمكن أن تساعد مراقبة البعوض والطيور في المواقع عالية الخطورة على اكتشاف بؤر العدوى مبكرًا قبل انتقال المرض إلى البشر، خاصة بين كبار السن الذين يعدون الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالمضاعفات الخطيرة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications، التي تعد من أبرز الدوريات العلمية المتخصصة في الأبحاث متعددة التخصصات.
