فطر قاتل «يأكلك من الداخل» ينتشر عالميًا مع ارتفاع الحرارة ويعيد رسم خريطة الأمراض
تغير المناخ يفتح الباب لفطريات خطيرة تهدد البشر والغذاء.. ويقاوم الأدوية
كل يوم، يستنشق الناس عددًا لا يُحصى من الأبواغ الفطرية دون أن يلاحظوا ذلك. تمرّ معظمها عبر الجسم دون ضرر، لكن بعضها لا يفعل.
هناك مجموعة صغيرة لكنها خطيرة من العفن يمكنها غزو رئتي الإنسان، وتدمير المحاصيل، وإحداث خلل في الأنظمة البيئية، ما يجعلها تهديدًا واسع النطاق.
تتحرك هذه الفطريات عبر حدود تبدو منفصلة، فتربط بين عدوى المستشفيات، وخسائر الزراعة، والاضطرابات البيئية.
تلعب الفطريات دورًا أساسيًا في الحياة على الأرض، إذ تساعد في تحلل المواد العضوية وإعادة تدوير المغذيات. لكن بعض الأنواع لم تعد بنفس البراءة.
يمكن لبعض أنواع العفن أن تنتقل من البيئات الطبية إلى المزارع وحتى مستعمرات الحشرات، ما يكشف مدى هشاشة الخط الفاصل بين الكائن المفيد والغازي المدمر.
في كثير من الحالات، تحافظ دفاعات الجسم المناعية على هذه الكائنات تحت السيطرة، لكن هذا التوازن بدأ يتغير.
ارتفاع درجات الحرارة، والاستخدام الواسع للمبيدات الفطرية، وزيادة أعداد المرضى ذوي المناعة الضعيفة، كلها عوامل تخلق فرصًا جديدة لفطريات أكثر قدرة على التكيف والمقاومة.
النتيجة هي واقع مقلق: الكائن نفسه الذي يساعد في تحلل الأوراق قد يسبب عدوى رئوية خطيرة، ويفسد الحبوب المخزنة، ويقاوم الأدوية.
فطر Aspergillus يتكيف بسهولة
بعد سنوات من دراسة التهديدات الفطرية، رسم الدكتور نورمان فان راين وفريقه في جامعة مانشستر خريطة لانتشار ثلاثة أنواع خطيرة من فطر Aspergillus: (A. flavus وA. fumigatus وA. niger) حتى نهاية القرن.
وباستخدام سيناريوهات تغير المناخ، أظهرت النماذج أن هذه الفطريات قد تجد بيئات أكثر ملاءمة، خاصة في أوروبا.
يتميز هذا الفطر بقدرته العالية على التكيف، إذ يعيش في التربة والحبوب وريش الحيوانات وحتى هياكل الشعاب المرجانية.
في البرية، يعيد تدوير المغذيات، لكن في المزارع والمستشفيات يصبح خطرًا.
ويؤدي استخدام مبيدات «الأزول» في الزراعة، إلى جانب أدوية مماثلة في الطب، إلى زيادة مقاومة الفطر للعلاج، على غرار مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.
المناخ يعيد رسم خريطة الفطريات
تتحكم الحرارة والرطوبة والظواهر الجوية المتطرفة في أماكن انتشار الأبواغ.
وقد يؤدي تغير هذه العوامل إلى توسيع نطاق الفطريات عالميًا، كما حدث مع فطر Candida auris الذي ظهر نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.
تشير التوقعات إلى أن فطر A. flavus قد يوسع نطاقه في أوروبا بنسبة 16%، مما يعرّض نحو مليون شخص إضافي للخطر.
أما A. fumigatus، فقد يزيد انتشاره بنسبة تصل إلى 77.5%، مهددًا نحو 9 ملايين شخص.
وفي إفريقيا، قد تصبح بعض المناطق شديدة الحرارة لدرجة تعيق نمو بعض الفطريات، ما يعكس تعقيد التأثيرات المناخية.
أدوية تفقد فعاليتها
تتزايد مقاومة الفطريات للأدوية في أوروبا وآسيا، حيث تتجاوز معدلات الوفاة في بعض الحالات 50%.
كما أن البدائل العلاجية قد تسبب أضرارًا للكبد أو الكلى، ما يزيد تعقيد العلاج.
يسهم الاستخدام المكثف للمبيدات في تعزيز هذه المقاومة، إذ تنتقل الجينات المقاومة من البيئة إلى المستشفيات.
خطر على الغذاء والاقتصاد
تسبب الفطريات خسائر اقتصادية ضخمة، حيث قد تتجاوز خسائر الذرة في الولايات المتحدة مليار دولار سنويًا بسبب التلوث الفطري.
كما تؤدي الحرارة والرطوبة إلى زيادة نمو العفن في المخازن، ما يهدد الأمن الغذائي.
ولا يقتصر الأمر على Aspergillus، بل يشمل فطريات أخرى مثل Fusarium وCryptococcus، التي تستجيب أيضًا لتغير المناخ.
تهديد صحي عالمي
رغم وجود ما بين 1.5 إلى 3.8 مليون نوع من الفطريات، فإن أقل من 10% منها موصوف علميًا.
وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية فطر Aspergillus وأنواع Candida ضمن قائمة التهديدات الصحية في 2022.
يدعو الباحثون إلى تعزيز المراقبة باستخدام أجهزة رصد جودة الهواء وتحليل التربة والبيئات الزراعية، لتتبع انتشار الأبواغ.
ولا يوجد حل واحد للقضاء على الخطر، لكن تقليل الانبعاثات، وتحسين استخدام المبيدات، وتطوير أدوية جديدة، قد يحد من تفاقم الأزمة.






Thank you for making this topic less intimidating.