
كشفت دراسة جديدة أجرتها جامعة تولين الأمريكية أن غابات المانجروف حول العالم، التي كانت تُعد من أكثر النظم البيئية الساحلية تعرضًا للتهديد، بدأت تُظهر مؤشرات واضحة على التعافي، بعد أن نجحت عمليات التجدد الطبيعي والتوسع في تعويض جزء كبير من الخسائر التي تكبدتها خلال العقود الماضية.
واعتمدت الدراسة، المنشورة في مجلة Science، على بيانات أقمار صناعية تغطي أربعة عقود، وأظهرت أن غابات المانجروف لم تعد تشهد تراجعًا صافيًا على المستوى العالمي، بل أصبحت تسجل نموًا إجماليًا.
وبعد سنوات طويلة من فقدان المساحات نتيجة إزالة الغابات والتوسع العمراني الساحلي، بدأت هذه الغابات تتمدد في العديد من المناطق من خلال التجدد الطبيعي والاستعمار النباتي لمناطق ساحلية جديدة.
مستقبل أكثر تفاؤلًا
وتشير النتائج إلى مستقبل أكثر تفاؤلًا لهذه النظم البيئية التي تؤدي دورًا محوريًا في حماية السواحل، ودعم الثروة السمكية، وتخزين كميات كبيرة من الكربون المسبب للاحترار العالمي.
وقال تشن تشانغ، الباحث بمرحلة ما بعد الدكتوراه في كلية العلوم والهندسة بجامعة تولين والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن العالم يشهد نقطة تحول مهمة بالنسبة لغابات المانجروف بعد عقود من التراجع، موضحًا أن ذلك يعكس قدرتها الكبيرة على الصمود وإمكاناتها كحل طبيعي فعال للتخفيف من آثار تغير المناخ وتعزيز الحماية الساحلية.
وأوضحت الدراسة، أن غابات المانجروف فقدت نحو 2900 كيلومتر مربع من مساحتها بين ثمانينيات القرن الماضي وعام 2010، إلا أن المكاسب المسجلة خلال السنوات الست عشرة الأخيرة تجاوزت معدلات الفقد، ما أدى بحلول عام 2023 إلى تقليص صافي الخسائر على مدار أربعة عقود إلى نحو 1% فقط، وهي نسبة أقل بكثير من التقديرات السابقة.
تحولًا حقيقيًا
وقال دانيال فريس، أستاذ علوم الأرض والبيئة بجامعة تولين ومدير مختبر المانجروف، إن العالم يشهد تحولًا حقيقيًا، حيث أصبحت غابات المانجروف تحقق زيادة صافية عالميًا، في الوقت الذي تتباطأ فيه معدلات التدهور. وأضاف أن هذه الغابات قد تمثل إحدى قصص النجاح النادرة في مجال الحفاظ على البيئة، ومصدرًا مهمًا للتفاؤل فيما يتعلق بالعمل المناخي.
ويعود هذا التعافي إلى مزيج من جهود الاستعادة البيئية والعمليات الطبيعية. ففي العديد من المناطق، استعادت غابات المانجروف انتشارها داخل أحواض الاستزراع المائي المهجورة، كما توسعت نحو المسطحات الطينية الساحلية الجديدة، خاصة في دلتا الأنهار التي توفر الرواسب اللازمة لنموها.
وعلى طول ساحل خليج المكسيك في الولايات المتحدة، عكست اتجاهات نمو المانجروف عملية مشابهة، ففي دلتا نهر المسيسيبي تراجعت مساحات المانجروف بشكل طفيف منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى أواخر التسعينيات، قبل أن تبدأ في التوسع مجددًا، مع تسارع واضح في النمو بعد عام 2012.
ويرجع الباحثون هذا التوسع بصورة رئيسية إلى ارتفاع درجات الحرارة، الذي سمح للمانجروف، المعروفة بانتشارها في المناطق المدارية وشبه المدارية، بالتمدد نحو خطوط عرض أعلى.
كما شهدت ولاية لويزيانا الأمريكية زيادة إجمالية في مساحات المانجروف خلال العقود الأربعة الماضية، ما يعكس التحول الإقليمي الأوسع نطاقًا.
غابات أكثر كثافة وصحة
ولم يقتصر التحسن على زيادة المساحة فقط، بل أظهرت الدراسة أن العديد من غابات المانجروف القائمة أصبحت أكثر كثافة وصحة، فقد توسعت الغابات ذات المظلات النباتية المغلقة، التي تتمتع بقدرة أكبر على تخزين الكربون وتوفير حماية ساحلية أقوى، على المستوى العالمي خلال العقود الأربعة الماضية.
كما انخفضت معدلات التدهور بشكل ملحوظ مقارنة بما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يعكس التأثير المتزايد لسياسات الحماية البيئية وبرامج الترميم في مختلف أنحاء العالم.
ويشير هذا النمو إلى أن غابات المانجروف قد تكون قادرة على امتصاص كميات أكبر من الكربون مقارنة بما كان يُعتقد سابقًا. إلا أن الدراسة حذرت في الوقت ذاته من هشاشة هذه المكاسب أمام الظواهر المناخية المتطرفة.
ففي ولاية تكساس الأمريكية، على سبيل المثال، شهدت غابات المانجروف توسعًا خلال السنوات الأخيرة، لكنها تعرضت لتراجع حاد عام 2021 بسبب موجة صقيع شديدة.
وأكد الباحثون، أن عملية التعافي لم تكتمل بعد، إذ إن الغابات الجديدة غالبًا ما تكون فتية وغير قادرة على تقديم جميع الخدمات البيئية التي توفرها الأنظمة البيئية الناضجة.
كما لا تزال إزالة الغابات تمثل تهديدًا في بعض المناطق التي تُحوَّل فيها الأراضي الساحلية إلى مشروعات زراعية أو عمرانية.
تقييم جودة الغابات وصحتها البيئية
وشددت الدراسة على أن وقف إزالة غابات المانجروف يمثل الإجراء الأسرع والأكثر فاعلية للحفاظ عليها.
فعندما تُزال هذه الغابات، تنطلق كميات كبيرة من الكربون المخزن منذ فترات طويلة إلى الغلاف الجوي، بينما يسمح الحفاظ عليها بمواصلة تخزين الكربون طبيعيًا مع مرور الوقت، بما يحقق فوائد مناخية مزدوجة تتمثل في تجنب الانبعاثات الحالية وتعزيز التخزين المستقبلي للكربون.
كما أكد الباحثون أهمية حماية العمليات الطبيعية التي تدعم نمو المانجروف، خاصة تدفق الرواسب النهرية التي تساهم في تكوين المسطحات الطينية الجديدة اللازمة لانتشار هذه الغابات.
وخلصت الدراسة إلى أن استراتيجيات الحفاظ على المانجروف يجب ألا تقتصر على قياس المساحات فقط، بل ينبغي أن تشمل تقييم جودة الغابات وصحتها البيئية، في ظل تنامي الاستثمارات العالمية في الحلول الطبيعية لمواجهة تغير المناخ، حيث تمثل غابات المانجروف نموذجًا نادرًا لنظام بيئي بدأت مؤشراته العالمية تتحرك في الاتجاه الصحيح.
