كشفت دراسة جديدة نُشرت في دورية Nature Communications عن وجود نقطة تحول مناخية حرجة في النظم البيئية للتربة الصقيعية في هضبة التبت، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة بمقدار يتراوح بين درجتين وأربع درجات مئوية إلى إطلاق كميات كبيرة من الكربون القديم المخزن في التربة، ما يخلق حلقة تغذية راجعة قد تسرّع وتيرة التغير المناخي عالميًا.
وتغطي التربة الصقيعية نحو 15% من مساحة اليابسة في نصف الكرة الشمالي، وهي أراضٍ تبقى متجمدة لمدة لا تقل عن عامين متتاليين، وعلى مدار آلاف السنين، خزنت هذه التربة كميات هائلة من المواد العضوية والكربون بعيدًا عن الغلاف الجوي.
لكن مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، بدأت هذه المخازن الطبيعية للكربون في التسرب تدريجيًا.
فعندما تذوب التربة المتجمدة، تنشط الكائنات الحية الدقيقة التي تقوم بتحليل المواد العضوية المخزنة، مطلقة ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وهو ما يعزز بدوره ظاهرة الاحترار العالمي.
هضبة التبت.. مختبر طبيعي للمناخ
تضم هضبة التبت أكبر خزان للكربون في التربة الصقيعية الجبلية على مستوى العالم، إذ تحتوي الطبقات العشرة العليا من التربة وحدها على نحو 47 مليار طن من الكربون.
كما ترتفع درجات الحرارة في الهضبة بمعدل يعادل نحو 2.5 ضعف المتوسط العالمي، ما يجعلها منطقة مثالية لدراسة تأثيرات التغير المناخي على التربة الصقيعية.
وأوضحت البروفيسورة جينتشي دينج، الباحثة في معهد أبحاث هضبة التبت التابع للأكاديمية الصينية للعلوم والمشاركة في إعداد الدراسة، أن العلماء كانوا يواجهون صعوبة في فهم مصير الكربون القديم المخزن في أعماق التربة بسبب محدودية أدوات الرصد والمتابعة طويلة الأجل.
وقالت: “كان تحلل الكربون القديم بمثابة صندوق أسود بالنسبة للعلماء، لأننا لم نكن نمتلك الوسائل الكافية لتتبعه وفهم آلياته بدقة”.
تجربة ميدانية استمرت خمس سنوات
للإجابة عن هذه التساؤلات، أجرى الباحثون تجربة ميدانية واسعة النطاق في مرج جبلي بمنطقة أندو في وسط التبت على ارتفاع 4790 مترًا فوق سطح البحر.
واستخدم الفريق أجهزة تسخين بالأشعة تحت الحمراء لمحاكاة أربعة سيناريوهات مناخية مختلفة، شملت درجات الحرارة الطبيعية، إضافة إلى زيادات قدرها درجة واحدة ودرجتان وأربع درجات مئوية فوق المستوى الطبيعي.
وخلال خمس سنوات، جمع الباحثون أكثر من 40 ألف قياس لتدفقات ثاني أكسيد الكربون، كما استخدموا نظامًا متطورًا لمراقبة الغازات داخل التربة على أعماق تراوحت بين 10 سنتيمترات و160 سنتيمترًا.
واعتمدت الدراسة على تحليل البصمات النظيرية للكربون، ما مكّن العلماء من التمييز بين الكربون الناتج عن النباتات الحديثة والكربون القديم المدفون في التربة الصقيعية منذ مئات أو آلاف السنين.
اكتشاف نقطة التحول المناخية
أظهرت النتائج، أن خسائر الكربون الناتجة عن تنفس التربة وتحلل المواد العضوية تجاوزت المكاسب التي تحققها النباتات من خلال امتصاص ثاني أكسيد الكربون عبر عملية التمثيل الضوئي بمعدلات تراوحت بين مرة واحدة و16 مرة.
كما أدى ارتفاع الحرارة بمقدار درجة واحدة ودرجتين وأربع درجات مئوية إلى زيادة صافي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية بنسبة 44% و80% و176% على التوالي.
وأشارت الدراسة إلى أن التربة كانت مصدرًا للكربون حتى قبل بدء التجربة، لكن الوضع ازداد سوءًا مع ارتفاع درجات الحرارة.
وقالت دينج: “عندما يصل الاحترار إلى نحو درجتين أو أربع درجات مئوية، يتغير النظام البيئي بصورة جوهرية، تبدأ النباتات في الوصول إلى حدود قدرتها على تحمل الحرارة ونقص المياه، فتتراجع عملية التمثيل الضوئي، بينما يمتد الذوبان إلى طبقات أعمق من التربة ويكشف كربونًا قديمًا ظل متجمدًا ومحميًا لمئات أو آلاف السنين”.
وأضافت، أن الكائنات الدقيقة تبدأ فور ذوبان هذه الطبقات في تحليل الكربون القديم وإطلاقه إلى الغلاف الجوي على هيئة ثاني أكسيد الكربون.
كربون عمره آلاف السنين
حدد الباحثون، أن الطبقات المسؤولة عن معظم الزيادة في الانبعاثات تحتوي على كربون يعود عمره إلى ما بين 1845 و3411 عامًا، وخلال موسم النمو النباتي، أسهم هذا الكربون القديم بنحو 76% من إجمالي انبعاثات التربة.
وبالاستناد إلى سيناريوهات الاحترار المتوقعة بحلول نهاية القرن الحالي، والتي تشير إلى ارتفاع متوسط الحرارة في مناطق التربة الصقيعية بالتبت بنحو 2.69 درجة مئوية، قد تؤدي هذه العملية إلى إطلاق ما بين 24 و47 جرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل متر مربع سنويًا من الكربون القديم وحده.
ورغم أن هذه التقديرات تستند إلى موقع واحد فقط، فإن الباحثين حذروا من أن المناطق القطبية والغنية بالكربون قد تشهد انبعاثات أكبر بكثير بسبب احتوائها على مخزونات كربونية أضخم.
تداعيات عالمية على نماذج المناخ
أكدت الدراسة، أن النتائج لا تقتصر على هضبة التبت، بل تمتد آثارها إلى فهم التغير المناخي على المستوى العالمي.
وأشار الباحثون إلى أن العديد من النماذج المناخية الحالية لا تأخذ بصورة كافية في الاعتبار ديناميكيات الكربون في أعماق التربة أو مساهمة الكربون القديم المنبعث من التربة الصقيعية، ما يعني أن تقديرات تأثيرات هذه المناطق على المناخ العالمي قد تكون أقل من الواقع.
ودعت الدراسة إلى إجراء أبحاث إضافية لتحديد درجة الحرارة الدقيقة التي تبدأ عندها نقطة التحول المناخية، فضلًا عن دمج هذه الآليات الجديدة في النماذج المناخية العالمية لتحسين دقة التوقعات المستقبلية.
كما أشار الباحثون إلى أن مدة الدراسة، رغم امتدادها لخمس سنوات، لا تسمح بتقييم كامل للتغيرات طويلة الأجل، إذ قد تتكيف النباتات والكائنات الدقيقة مستقبلًا مع الظروف الأكثر حرارة، وهو ما قد يخفف جزئيًا من بعض خسائر الكربون.
