علي خامنئي .. من تلميذ الخميني إلى مرشد الجمهورية الإسلامية وصانع عقيدة “الأمن خارج الحدود”.. نهاية 4 عقود

سيرة شاملة لعلي خامنئي: النشأة، التكوين الديني، مسيرته السياسية، دوره الإقليمي والنووي،

وُلد علي جواد حسيني خامنئي في 8 سبتمبر/أيلول 1939 بمدينة مشهد شمال شرقي إيران، في أسرة دينية متواضعة الحال تعود أصولها إلى تفرش وسط البلاد. نشأ في بيئة علمية محافظة، وكان والده رجل دين أذريًا هاجر من تبريز إلى مشهد، ما أتاح له إتقان اللغة التركية إلى جانب الفارسية.

عاش طفولة صعبة في منزل ضيق لا تتجاوز مساحته 70 مترًا مربعًا، وتحدث في مذكراته عن معاناة أسرته من الفقر. بدأ تعليمه في الكُتّاب، فحفظ القرآن وتعلم مبادئ الأدب الفارسي، ثم اتجه مبكرًا إلى الدراسة الحوزوية في مشهد.

عام 1958 انتقل إلى النجف، حيث تتلمذ على مراجع بارزين، قبل أن يعود إلى مشهد ثم يسافر إلى قم عام 1959. وهناك درس على يد أبرز رموز الحوزة، وفي مقدمتهم روح الله الخميني، الذي أصبح لاحقًا المرجعية السياسية والروحية الأهم في مسيرته. تأثر أيضًا بأفكار مفكرين معاصرين، لكنه انحاز بوضوح إلى نظرية “ولاية الفقيه” التي تبناها الخميني.

سنوات المواجهة مع الشاه… الاعتقال والمنع من السفر

منذ مطلع الستينيات، انخرط خامنئي في النشاط المعارض لحكم الشاه محمد رضا بهلوي. اعتُقل ست مرات، ومُنع من السفر عشر سنوات بقرار من جهاز “السافاك”، وأُبعد إلى مدينة إيرانشهر عام 1977.

شارك في الحراك الثوري الذي أسقط نظام الشاه عام 1979، وأسهم في تعبئة طلاب الحوزات الدينية سياسيًا. وبعد نجاح الثورة، كان من المقربين للخميني، وعضوًا في الدائرة التي أدارت المرحلة الانتقالية.

خامنئي منذ شبابه كان من أركان الثورة الإيرانية ورموزها وأحد المؤثرين في مسارها

من رئاسة الجمهورية إلى موقع المرشد

تولى عدة مناصب بعد الثورة، بينها إمامة جمعة طهران، وعضوية مجلس الشورى، ثم انتُخب رئيسًا للجمهورية بين عامي 1981 و1989، في ذروة الحرب العراقية–الإيرانية.

في 26 يونيو/حزيران 1981، نجا من محاولة اغتيال بتفجير استهدفه أثناء إلقائه خطابًا في طهران، ما أدى إلى إصابته بشلل دائم في يده اليمنى.

بعد وفاة الخميني في يونيو/حزيران 1989، اختاره مجلس خبراء القيادة مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية، إثر تعديل دستوري أتاح لمجتهد غير مرجع تقليد تولي المنصب. ومنذ ذلك الحين، أصبح صاحب أعلى سلطة دستورية، تشمل تعيين قادة القوات المسلحة، ورئيس السلطة القضائية، والإشراف العام على السياسات العليا للدولة.

علي جواد حسيني خامنئي ولد في مدينة مشهد بإيران عام 1939

الحرس الثوري… تكريس ذراع الدولة الصلبة

في عهده، تعاظم نفوذ الحرس الثوري الإيراني، ولا سيما “فيلق القدس”، بوصفه أداة مركزية لتنفيذ استراتيجية النفوذ الإقليمي.

أدرجت الولايات المتحدة الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية عام 2019، وفرضت عليه عقوبات واسعة، بينما تصفه طهران بأنه مؤسسة دفاعية تحمي أمنها القومي.

النفوذ الإقليمي… من العراق إلى اليمن

بعد عام 2003، توسع الحضور الإيراني في العراق عبر دعم فصائل مسلحة شاركت لاحقًا في مواجهة تنظيم داعش. وفي سوريا، دعمت إيران الحكومة السورية منذ 2011، في تدخل عسكري مباشر وغير مباشر غيّر موازين القوى على الأرض.

كما واصلت دعم حزب الله في لبنان، وتواجه اتهامات أممية بدعم الحوثيين في اليمن، وهو ما تنفيه رسميًا، مؤكدة أن دعمها سياسي.

هذه السياسات صاغها خامنئي ضمن ما بات يُعرف بعقيدة “العمق الاستراتيجي”، التي تقوم على نقل خطوط الدفاع إلى خارج الحدود.

آثار الدمار في مقر إقامة المرشد الإيراني بعد تعرضه لغارات جوية

النووي والصواريخ… صدام الإرادات مع الغرب

شهد عهده تطورًا كبيرًا في البرنامج النووي الإيراني، ما أدى إلى عقوبات دولية متتالية. ووفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رفعت إيران مستويات تخصيب اليورانيوم في السنوات الأخيرة، ما زاد من حدة التوتر مع القوى الغربية.

كما طورت برنامجًا صاروخيًا باليستيًا تصفه بأنه دفاعي، بينما تعتبره دول غربية عنصرًا مهددًا للاستقرار الإقليمي.

استهداف 2026… إعلان القتل والنفي الإيراني

في 28 فبراير/شباط 2026، أعلنت إسرائيل والولايات المتحدة تنفيذ ضربات واسعة على مدن إيرانية، وقالت إن إحداها استهدفت موقع وجود خامنئي تحت الأرض بثلاثين قنبلة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث عن “أدلة متزايدة” على مقتله، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن “خامنئي مات”، مؤكدًا أنه “لم يستطع الإفلات من أجهزة الاستخبارات”.

في المقابل، نفت طهران مقتله، وأكدت أن المرشد والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان “بخير وصحة تامة”، مشيرة إلى نقله إلى مكان آمن.

صورة للإمام الخميني وخلفه علي خامنئي وسط حشد من طلبة الحوزة والعلماء

مرحلة مفصلية… ماذا بعد خامنئي؟

سواء تأكد مقتله أم لا، فإن مجرد إعلان استهدافه أدخل إيران في مرحلة شديدة الحساسية. فبحسب الدستور، يتولى مجلس خبراء القيادة اختيار مرشد جديد في حال شغور المنصب، في لحظة إقليمية متوترة وضغوط اقتصادية داخلية متصاعدة.

على مدار أكثر من ثلاثة عقود، كان خامنئي محور التوازن بين مؤسسات الدولة، وصاحب الكلمة الفصل في القضايا الاستراتيجية الكبرى. برحيله — إن ثبت — تُطوى صفحة امتدت منذ 1989، أعادت خلالها طهران صياغة دورها الإقليمي وحدود صراعها مع الغرب، فيما تبدأ مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح القوة والنفوذ في الشرق الأوسط بأسره.

خامنئي منذ شبابه كان من أركان الثورة الإيرانية ورموزها وأحد المؤثرين في مسارها