
كشفت دراسة علمية حديثة أن فيتامين B12 يمكن أن يدفع بعض الديدان إلى تطوير شكل فم مفترس يعتمد على التغذي على اللحوم، وهي صفة يمكن أن تنتقل إلى نسلها دون حدوث أي تغيير في الحمض النووي (DNA).
ويمثل هذا الاكتشاف تحولًا مهمًا في فهم دور العناصر الغذائية، حيث لم يعد يُنظر إليها فقط كمصدر للطاقة، بل كإشارات بيولوجية قادرة على التأثير في الوراثة عبر الأجيال.
أدلة من تجارب على الديدان
أُجريت الدراسة على نوع من الديدان يُعرف باسم Pristionchus pacificus، حيث لاحظ الباحثون أن شكل الفم لديها قد يكون إما ضيقًا أو مفترسًا.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة “Nature Communications”، وقامت الباحثة شييلا بيرل كويوبه من معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء في توبنغن بتتبع هذه الصفات عبر عدة أجيال، لتثبت أن فيتامين B12 هو العامل الرئيسي المرتبط بانتقال الصفة المفترسة.
ولم يقتصر التأثير على الديدان التي تناولت الفيتامين، بل استمر حتى بعد عودة الأجيال اللاحقة إلى نظام غذائي عادي، ما يشير إلى دور الأمهات في نقل هذه التأثيرات عبر العناصر الغذائية المخزنة في البيوض.
كيف يغير B12 الصفات؟
أدى فيتامين B12 إلى ظهور الشكل المفترس بسرعة عند تغذية الديدان على بكتيريا معينة أو أطعمة مدعمة.
وعند وجود الفيتامين بكميات كبيرة، استمرت هذه الصفة حتى بعد تغيير النظام الغذائي، بينما تلاشى التأثير عند انخفاض الجرعات بعد جيل أو جيلين.
دور البكتيريا في العملية
تبين أن نوعًا من البكتيريا يُعرف باسم Novosphingobium يدفع الديدان نحو السلوك المفترس، نظرًا لقدرته على إنتاج فيتامين B12.
وعندما استخدم العلماء بكتيريا غير قادرة على إنتاج هذا الفيتامين، اختفى التأثير الوراثي سريعًا، لكنه عاد مرة أخرى عند إعادة إضافة الفيتامين.
انتقال التأثير عبر البيوض
أظهرت الدراسة، أن الأمهات ينقلن هذا التأثير عبر بروتين يُسمى “فيتيلوجينين”، وهو بروتين صفار البيض المسؤول عن تغذية الأجنة، وليس عبر الفيتامين نفسه.
وقد أدى النظام الغذائي الغني بالفيتامين إلى زيادة نشاط الجينات المسؤولة عن هذا البروتين، مما وفر دعمًا غذائيًا أكبر للأجنة.
دون تغيير في الحمض النووي
المثير في النتائج أن انتقال الصفة حدث دون أي تغيير في تسلسل الحمض النووي، وهو ما يُعرف علميًا بـ”الوراثة اللاجينية”، حيث تنتقل التأثيرات البيئية دون تعديل الجينات نفسها.
الجرعة تصنع الفارق
أظهرت التجارب، أن الجرعات الصغيرة من فيتامين B12 قد تُحفّز التغير، لكن استمرار الصفة عبر الأجيال يحتاج إلى مستويات أعلى من الفيتامين.
دور الأحماض الأمينية
اكتشف الباحثون أن الحمض الأميني “ميثيونين” ضروري لاستمرار هذا التأثير، إذ ساهم في الحفاظ على الصفة المفترسة لعدة أجيال، بينما لم يُظهر حمض الفوليك تأثيرًا مشابهًا.
أهمية الاكتشاف للبشر
رغم أهمية فيتامين B12 لصحة الإنسان، خاصة في دعم الأعصاب وخلايا الدم، فإن هذه النتائج لا تعني أن له نفس التأثير الوراثي لدى البشر.
ومع ذلك، فإن الدراسة تفتح الباب لفهم أعمق لكيفية تأثير التغذية على البيولوجيا عبر الأجيال في بعض الكائنات.
آفاق البحث المستقبلية
يأمل العلماء في دراسة مدة استمرار هذا التأثير عبر الأجيال، واكتشاف عناصر غذائية أخرى قد تؤدي إلى نتائج مشابهة.
