علماء يحولون مخلفات الطعام إلى مادة تلتقط الكربون بكفاءة عالية

مخلفات الجبن والتوفو قد تصبح سلاحًا جديدًا لامتصاص الكربون من الهواء

في خطوة قد تفتح آفاقًا جديدة لمواجهة تغير المناخ، نجح باحثون في تطوير مادة مبتكرة مصنوعة من مخلفات الصناعات الغذائية، قادرة على التقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء بكفاءة عالية وبتكلفة أقل مقارنة بالأنظمة التقليدية المستخدمة حاليًا في تقنيات احتجاز الكربون.

ويعتمد الابتكار الجديد على الاستفادة من السوائل الغنية بالبروتينات التي تُعد نفايات جانبية في صناعات الألبان وإنتاج التوفو، وهي مخلفات غالبًا ما تتحمل المصانع تكاليف إضافية للتخلص منها أو معالجتها.

الحاجة إلى إزالة الكربون من الغلاف الجوي

يرى العلماء أن خفض الانبعاثات وحده لن يكون كافيًا للحد من الاحترار العالمي، وأن العالم سيحتاج إلى تقنيات قادرة على إزالة جزء من ثاني أكسيد الكربون المتراكم بالفعل في الغلاف الجوي.

وتُعد تقنية التقاط الكربون مباشرة من الهواء، المعروفة باسم “الالتقاط المباشر من الهواء”، واحدة من أبرز الحلول المطروحة، إذ تعتمد على تمرير كميات ضخمة من الهواء عبر مواد كيميائية تمتص ثاني أكسيد الكربون ثم تخزنه أو تعيد استخدامه.

لكن المشكلة الرئيسية تكمن في ارتفاع التكلفة واستهلاك الطاقة، لأن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الهواء منخفض نسبيًا، ما يتطلب معالجة أحجام هائلة من الهواء لاستخلاص كميات محدودة من الغاز.

كما أن معظم التقنيات الحالية تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة أو أنظمة تفريغ معقدة لتحرير الكربون بعد التقاطه، وهو ما يرفع استهلاك الطاقة ويزيد التكلفة التشغيلية.

نفايات الصناعات الغذائية توفر طريقة أرخص لسحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي

من مخلفات الطعام إلى مادة متطورة

قاد الدراسة فريق من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich) بقيادة عالم المواد رافاييل ميتزينجا، الذي عمل لسنوات على تحويل البروتينات المهملة إلى مواد ذات قيمة مضافة.

واستخرج الباحثون البروتينات من السوائل المتبقية بعد تصنيع الجبن والتوفو، وهي مخلفات تنتج بكميات ضخمة حول العالم وتحتوي على نسب مرتفعة من المركبات البروتينية.

بعد ذلك، حوّل الفريق هذه البروتينات إلى ألياف دقيقة طويلة تُعرف باسم “ألياف الأميلويد”، ثم غُلفت بهيدروكسيد البوتاسيوم وضُغطت لتشكيل حبيبات صغيرة مليئة بالمسام الدقيقة.

نفايات الصناعات الغذائية توفر طريقة أرخص لسحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي

كيف تلتقط المادة ثاني أكسيد الكربون؟

عند تعريض هذه الحبيبات للهواء، يتفاعل هيدروكسيد البوتاسيوم الموجود داخلها مع ثاني أكسيد الكربون، ليحول الغاز إلى مركب صلب مستقر يشبه بيكربونات الصوديوم المعروفة تجاريًا باسم “صودا الخبز”.

وأظهرت الاختبارات أن كل غرام واحد من المادة الجديدة تمكن من احتجاز نحو 97 مليغرامًا من ثاني أكسيد الكربون من الهواء العادي، وهي كفاءة تفوق أداء العديد من المواد التقليدية المستخدمة في التقاط الكربون بنسبة تتراوح بين 10 و50%.

ويعتقد الباحثون أن السبب وراء هذه الكفاءة المرتفعة يعود إلى البنية المسامية الواسعة للحبيبات، والتي توفر مساحة سطحية كبيرة تسمح بزيادة التلامس بين الهواء والمادة الماصة.

الميزة الأهم.. لا حاجة للحرارة

يمثل تحرير الكربون الملتقط أحد أكبر التحديات أمام تقنيات احتجاز الكربون، إذ تتطلب الأنظمة التقليدية عادة درجات حرارة مرتفعة أو أنظمة تفريغ تستهلك كميات كبيرة من الطاقة.

أما في التقنية الجديدة، فيمكن تحرير ثاني أكسيد الكربون من الحبيبات عبر رشها بمحاليل حمضية وقاعدية خفيفة لمدة لا تتجاوز عشر دقائق وفي درجة حرارة الغرفة.

ويؤدي هذا التفاعل إلى فك الروابط الكيميائية التي تحتجز الغاز، ما يسمح باستعادته دون الحاجة إلى أفران أو مضخات تفريغ عالية الاستهلاك للطاقة.

ويصف الباحثون هذه الميزة بأنها واحدة من أهم نقاط القوة في النظام الجديد، لأنها تقلل بشكل كبير من التكلفة والبصمة الكربونية لعملية التقاط الكربون بالكامل.

مادة قابلة لإعادة الاستخدام

اختبر الفريق قدرة الحبيبات على تحمل دورات متكررة من التقاط الكربون وتحريره.
وأظهرت النتائج أن المادة احتفظت بكفاءتها بعد 30 دورة متتالية من الاستخدام في المختبر، مع تراجع محدود للغاية في الأداء.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، تشو دونغ، إن الحبيبات البروتينية أظهرت استقرارًا طويل الأمد مقارنة بالعديد من المواد الصناعية المنافسة التي تتدهور بسرعة بعد الاستخدام المتكرر.

وبعد انتهاء عمرها التشغيلي، يمكن تحويل الحبيبات المستهلكة إلى سماد عضوي أو استخدامها لإنتاج الوقود الحيوي، ما يعزز الطابع المستدام للتقنية.

فرصة مزدوجة للمناخ والغذاء

تكتسب هذه التقنية أهمية إضافية لأن هدر الغذاء مسؤول عن نحو 8 إلى 10% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا.

ومن ثم فإن تحويل مخلفات الصناعات الغذائية إلى مواد قادرة على التقاط الكربون يحقق فائدة مزدوجة تتمثل في تقليل النفايات الغذائية والمساهمة في خفض تركيزات الكربون في الغلاف الجوي.

ما زالت في مرحلة الاختبار

ورغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن التكنولوجيا ما تزال في مراحلها الأولى، إذ أُجريت التجارب الحالية على كميات صغيرة من الحبيبات داخل ظروف مخبرية محكمة.

ويتمثل التحدي المقبل في معرفة ما إذا كانت الكفاءة نفسها ستظل قائمة عند تطبيق التقنية على نطاق صناعي واسع.

ويعكف الفريق حاليًا على اختبار النظام بأحجام أكبر، مستفيدًا من تقنيات وتجهيزات مستخدمة بالفعل في العديد من العمليات الصناعية، وهو ما قد يسهل عملية التوسع التجاري مستقبلاً.

ويرى الباحثون أن نجاح هذه الخطوة قد يغير المعادلة الاقتصادية لتقنيات التقاط الكربون، ويحول مخلفات كانت تُعتبر عبئًا بيئيًا واقتصاديًا إلى مورد فعال للمساعدة في مكافحة تغير المناخ.

Exit mobile version