قد يبدو العمر رقمًا واحدًا تحدده أعياد الميلاد، لكن دراسة علمية جديدة تشير إلى أن هذا الرقم لا يعكس بالضرورة العمر البيولوجي الفعلي لأعضاء الجسم.
وكشفت الدراسة أن أعضاء الجسم يمكن أن تشيخ بسرعات مختلفة، إذ قد يبدو أحد الأعضاء أكبر سنًا من العمر الفعلي للشخص، بينما تظل أعضاء أخرى أكثر شبابًا من الناحية البيولوجية.
واستخدم الباحثون نماذج للذكاء الاصطناعي لتحليل صور مجهرية لأنسجة بشرية، وتمكنوا من تقدير العمر البيولوجي لمجموعة واسعة من الأعضاء والأنسجة.
والأكثر إثارة للاهتمام أن الباحثين طوروا نماذج أخرى استطاعت استنتاج مؤشرات العمر البيولوجي للأعضاء من عينة دم عادية، وهو ما قد يفتح مستقبلًا الباب أمام تطوير اختبارات بسيطة تساعد في الكشف المبكر عن الأمراض ومتابعة صحة الأعضاء.
لكن التقنية لا تزال في مرحلة البحث، وتحتاج إلى دراسات سريرية مستقبلية قبل استخدامها بصورة روتينية في تشخيص المرضى.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Nature Medicine.
كيف قاس الباحثون عمر الأعضاء؟
قاد الدراسة الباحث أندريه رينديرو، الذي يقود مجموعات بحثية في مركز الأبحاث الطبية الجزيئية CeMM التابع للأكاديمية النمساوية للعلوم، ومعهد لودفيج بولتزمان لطب الشبكات في فيينا.
اعتمد الباحثون على بيانات مشروع GTEx الأمريكي، الذي جمع عينات من أنسجة بشرية بعد الوفاة.
وشملت البيانات 983 متبرعًا تتراوح أعمارهم بين 20 و70 عامًا، مع الحصول على عينات من عدد كبير من الأعضاء والأنسجة لدى كل متبرع.
وفي المجمل، حلل الفريق أكثر من 25 ألف صورة مجهرية تغطي نحو 40 نوعًا مختلفًا من الأنسجة.
وباستخدام هذه الصور، درب الباحثون نموذجًا منفصلًا للذكاء الاصطناعي لكل نوع من الأنسجة، بحيث يستطيع تقدير عمر النسيج بناءً على مظهره تحت المجهر.
وأطلق الباحثون على هذه النماذج اسم “الساعات النسيجية”، لأنها تعمل بطريقة تشبه الساعة البيولوجية التي تحاول تحديد العمر الحقيقي للأنسجة.
العمر البيولوجي يختلف عن العمر الزمني
لا يقيس العمر البيولوجي عدد السنوات التي عاشها الإنسان، وإنما يعكس مدى ظهور علامات التقدم في العمر على الخلايا والأنسجة.
وأظهرت الدراسة أن النماذج تمكنت في المتوسط من تقدير العمر الحقيقي للمتبرعين بفارق يقل عن 5 سنوات.
لكن الأهم من الرقم نفسه كان الفرق بين العمر المتوقع للنسيج والعمر الفعلي للشخص.
فعندما بدا النسيج أكبر سنًا من صاحبه، ارتبط ذلك بعلامات أخرى للتآكل الخلوي، من بينها قِصر التيلوميرات، وهي الأجزاء الواقية الموجودة في نهايات الكروموسومات، إلى جانب ظهور مؤشرات على أضرار مبكرة قد لا تكون مصحوبة بأعراض واضحة.
وظهرت هذه الاختلافات أيضًا في الصور المجهرية نفسها.
فعلى سبيل المثال، بدت عينات من المخيخ ذات العمر البيولوجي الأكبر أكثر ارتباطًا بالتغيرات التي تحدث عندما تفقد الألياف العصبية غلافها الواقي، بينما أظهرت عينات من الشريان الأورطي ذات العمر الأكبر سماكة وتلفًا في جدران الأوعية.
أعضاء داخل الجسم نفسه قد تكون بأعمار مختلفة
كشفت الدراسة أن الشخص الواحد قد يحمل أعضاء تختلف أعمارها البيولوجية بصورة كبيرة.
وصنف الباحثون المتبرعين وفقًا لأنماط الشيخوخة التي ظهرت في أنسجتهم.
فقد أظهر بعض الأشخاص ما وصفه الباحثون بـ*”الشيخوخة المرنة”*، حيث بدت معظم أنسجتهم أصغر من عمرهم الزمني.
وفي المقابل، أظهر آخرون نمطًا من الشيخوخة الجهازية، حيث ظهرت علامات تسارع الشيخوخة في عدد كبير من أنسجة الجسم.
أما معظم الأشخاص، فكانوا بين هذين النمطين.
ومن بين 303 متبرعين ظهرت لديهم فجوة أكبر من المتوسط في العمر البيولوجي لعضو واحد على الأقل، كان لدى معظمهم أكثر من عضو يحمل علامات تسارع الشيخوخة.
لكن مجموعة أصغر أظهرت تسارعًا واضحًا في شيخوخة عضو واحد فقط، مثل القلب أو الرئة أو المعدة، مقارنة ببقية أعضاء الجسم.
الرئة والكلى والبنكرياس تبدأ الشيخوخة مبكرًا
من النتائج اللافتة التي أشار إليها الباحثون أن بعض الأعضاء أظهرت علامات تسارع في الشيخوخة في وقت مبكر للغاية.
وأوضح الباحث أندريه رينديرو أن الفريق فوجئ بظهور علامات تسارع الشيخوخة في أعضاء مثل الرئة والكلى والبنكرياس بين سن 20 و40 عامًا، أي قبل وقت طويل من ظهور العديد من الأمراض المرتبطة بالعمر التي تؤثر عادة في هذه الأعضاء.
وهذا لا يعني أن الأشخاص في هذه الأعمار مصابون بالضرورة بأمراض في هذه الأعضاء، وإنما يشير إلى أن التغيرات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة قد تبدأ قبل ظهور الأعراض أو التشخيص بسنوات طويلة.
وقد يساعد فهم هذه التغيرات مستقبلًا في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بأمراض معينة.
فشل الكلى قد يؤثر في شيخوخة أعضاء أخرى
درس الباحثون أيضًا العلاقة بين العمر البيولوجي للأنسجة ونحو 80 عاملًا صحيًا مسجلًا لدى المتبرعين، شملت الأمراض والأدوية وغيرها من الخصائص.
وكانت إحدى أقوى الروابط مرتبطة بفشل الكلى، لكن المفاجأة أن أبرز علامات تسارع الشيخوخة ظهرت في أنسجة خارج الكلى نفسها.
فقد أظهرت الأنسجة الدهنية والطحال وأحد الأعصاب الموجودة في الساق وغدة هرمونية تقع في قاعدة الدماغ أكبر فجوات في العمر البيولوجي لدى الأشخاص الذين يعانون فشلًا كلويًا.
وتتفق هذه النتيجة مع ملاحظة طبية معروفة، إذ يصاب أكثر من 90% من الأشخاص الذين يخضعون لغسيل الكلى بسبب مرض كلوي مزمن بتلف في الأعصاب الطرفية.
أمراض أخرى ظهرت في “ساعات” الأعضاء
وجد الباحثون روابط أخرى بين بعض الأمراض والعمر البيولوجي للأعضاء.
فقد بدت أنسجة البنكرياس أكبر سنًا لدى الأشخاص المصابين بمرض السكري من النوع الثاني، بينما ظهرت الرئتان بعمر بيولوجي أكبر لدى المصابين بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة.
كما ظهر ارتباط غير متوقع بين ارتفاع العمر البيولوجي للمخيخ وبعض الحالات التي يعاني أصحابها نوبات تشنج غير مفسرة.
لكن الباحثين يحذرون من تفسير هذه الروابط باعتبارها دليلًا على أن المرض هو الذي تسبب في شيخوخة العضو.
فجميع العينات جاءت من أشخاص متوفين، وتمثل نقطة زمنية واحدة فقط، ولذلك تستطيع الدراسة الكشف عن الارتباطات بين المرض والشيخوخة، لكنها لا تستطيع إثبات علاقة سببية.
هل يمكن معرفة عمر الأعضاء من تحليل الدم؟
قد يكون تحديد عمر الأعضاء من خلال عينات الأنسجة مفيدًا علميًا، لكنه ليس عمليًا في الفحوص الطبية المعتادة، لأن الحصول على عينة من البنكرياس أو القلب، مثلًا، يتطلب تدخلًا طبيًا، بينما أخذ الأنسجة بعد الوفاة لا يمكن أن يفيد في الوقاية لدى الأشخاص الأحياء.
لذلك انتقل الباحثون إلى خطوة أكثر أهمية من الناحية الطبية.
فقد كانت لدى عدد من المشاركين عينات دم جُمعت في الوقت نفسه تقريبًا مع عينات الأنسجة، وهو ما سمح للفريق بتدريب مجموعة ثانية من نماذج الذكاء الاصطناعي لمحاولة التنبؤ بالعمر البيولوجي للأعضاء اعتمادًا على نشاط الجينات في الدم.
وبذلك حاول الباحثون نقل المعلومات التي تعلمها الذكاء الاصطناعي من صور الأنسجة إلى مؤشر يمكن قراءته من عينة دم بسيطة.
الدم يكشف إشارات مرتبطة بأمراض مختلفة
اختبر الفريق نماذج تحليل الدم على أكثر من 1200 عينة مستقلة من دراسات أخرى.
وضمت المجموعة 577 شخصًا أصحاء، بينما كان الباقون يعانون سكتة دماغية أو واحدًا من سبعة أمراض مزمنة مختلفة.
وفي الأشخاص الذين أصيبوا بالسكتة الدماغية، ظهر أكبر فرق في العمر البيولوجي في الدماغ.
أما لدى الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر، فكان الدماغ هو العضو الوحيد الذي ظهر فيه فرق واضح في العمر البيولوجي.
وفي حالة مرض كرون، الذي يسبب التهابًا في الجهاز الهضمي، ارتبط المرض بارتفاع العمر البيولوجي في المريء والمعدة والأمعاء الدقيقة والقولون.
وتشير هذه النتائج إلى إمكانية استخدام أنماط التغير في الدم للحصول على صورة غير مباشرة عن حالة عدد من الأعضاء في الجسم.
هل يمكن استخدام الاختبار في عيادات الأطباء؟
يرى الباحثون أن إجراء الاختبار ممكن من الناحية التقنية، لكن العقبة الأساسية تكمن في إثبات فائدته الطبية.
وأوضح رينديرو أن ما يفصل هذه التقنية عن إمكانية استخدامها في الوصفات الطبية هو التحقق السريري، أي إجراء دراسات مستقبلية واسعة لمعرفة ما إذا كان الاختبار يستطيع اكتشاف المرض أو التنبؤ به قبل ظهوره، وما إذا كان اتخاذ إجراءات بناءً على نتائجه يحسن صحة المرضى بالفعل.
ويقدر الباحث أن الوصول إلى استخدام سريري واسع قد يستغرق عدة سنوات، وربما يقترب من عقد من الزمن إذا سارت الدراسات المستقبلية وفق المخطط.
حتى الآن، ارتبطت مؤشرات العمر البيولوجي للأعضاء بأمراض كان المشاركون يعانونها بالفعل، ولم تثبت الدراسة بعد إمكانية استخدام هذه المؤشرات للتنبؤ بمرض سيتم تشخيصه في المستقبل.
الخطوة المقبلة.. التنبؤ بالمرض قبل ظهوره
يعمل الباحثون حاليًا على اختبار ما إذا كانت “الساعات النسيجية” تستطيع التنبؤ بالمخاطر الصحية قبل ظهور المرض.
ويخطط الفريق لتحليل عينات دم جُمعت من أشخاص قبل تشخيصهم بأمراض معينة، بهدف معرفة ما إذا كانت علامات تسارع شيخوخة أحد الأعضاء تظهر قبل التشخيص بفترة كافية.
كما يعمل الباحثون على جعل الاختبار أقل تكلفة وأكثر ثباتًا وقابلية للتكرار، مع اختباره على عينات من دول ومجموعات سكانية مختلفة.
ويرغب الفريق كذلك في دمج مؤشرات العمر البيولوجي مع البيانات الوراثية، لمعرفة ما إذا كانت الشيخوخة المتسارعة لأحد الأعضاء يمكن أن تسهم في حدوث المرض، أم أنها نتيجة للمرض نفسه.
اختبار واعد لكنه لم يصبح تشخيصًا بعد
تمثل الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أكثر دقة لشيخوخة الجسم، لأنها تتعامل مع الإنسان باعتباره مجموعة من الأعضاء التي قد لا تتقدم في العمر بالسرعة نفسها، بدلًا من اختزال الشيخوخة في رقم واحد يمثل العمر الزمني.
وقد تفتح هذه الطريقة مستقبلًا الباب أمام فحوص دم بسيطة تقدم للأطباء معلومات عن الحالة البيولوجية لأعضاء مختلفة، وربما تساعد في اكتشاف الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة ببعض الأمراض قبل ظهور الأعراض.
لكن هذه الإمكانات لا تزال بحاجة إلى إثبات في دراسات سريرية طويلة الأمد وعلى أشخاص أحياء تتم متابعتهم لسنوات.
وفي الوقت الحالي، يظل العمر الذي يُحسب من تاريخ الميلاد هو المقياس الرسمي، بينما يعمل الباحثون على تطوير طرق تكشف كيف تتقدم أعضاء الجسم في العمر فعلًا.
