في ظل التطورات الأخيرة، بدا أن طهران تحاول تثبيت تعريفها الخاص لـ”نهاية الحرب”، لا مجرد وقف لإطلاق النار، بل ترتيبات تضمن عدم تكرار الضربات، وتحفظ أدوات الردع، وتربط أي تسوية بملفات السيادة والعقوبات وأمن مضيق هرمز.
فالمعطيات التي ظهرت خلال الساعات الأخيرة تشير إلى أن إيران لم تتعامل مع المقترحات المنقولة عبر الوسطاء باعتبارها مخرجًا سريعًا من القتال، بل باعتبارها تفاوضًا على شكل ما بعد الحرب نفسه.
وفي أحدث تصريح، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران بلورت “مواقفها ومطالبها” ردًا على مقترحات وقف إطلاق النار، وإن هذه المطالب تستند إلى “المصالح الوطنية”.
وأضاف أن إعلان إيران مطالبها بوضوح “لا ينبغي أن يُفسر بوصفه علامة على التنازل”، بل تعبيرًا عن الثقة في الدفاع عن الموقف الإيراني، مشيرًا أيضًا إلى أن خططًا أمريكية سابقة، بينها طرح من 15 بندًا، رُفضت لأنها كانت “مفرطة” أو “مبالغًا فيها”.
كما شدد على أن التفاوض لا ينسجم مع الإنذارات والتهديد بارتكاب جرائم حرب.
الرد الإيراني
وفي هذا السياق، أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” بأن طهران أبلغت باكستان ردها على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، في رد من 10 بنود، تضمن رفض وقف إطلاق النار المؤقت، وشدد على ضرورة إنهاء الحرب بصورة دائمة مع مراعاة ملاحظات إيران.
وأضافت الوكالة أن الرد يتضمن مطالب تشمل إنهاء الصراعات في المنطقة، ووضع بروتوكول للعبور الآمن عبر مضيق هرمز، وإعادة الإعمار، ورفع العقوبات.
وهذه الصياغة تعني أن طهران لا تفصل بين المسار الأمني والمسار السياسي والاقتصادي، بل تريد اتفاقًا يعالج الحرب ونتائجها دفعة واحدة.
وزادت الصورة وضوحًا مع ما نقلته “رويترز” عن مسؤول إيراني كبير، من أن طهران وضعت شروطًا مسبقة لأي محادثات تقود إلى “سلام دائم” مع الولايات المتحدة، من بينها الوقف الفوري للضربات، وضمانات بعدم تكرار الهجمات، وتعويض الأضرار.
وأضاف المسؤول أن إيران ترفض أي وقف لإطلاق النار يكون مؤقتًا فقط، وأن أي اتفاق دائم يجب أن يتيح لها فرض رسوم على السفن المارة في مضيق هرمز بحسب نوع السفينة وحمولتها والظروف القائمة.
وهذا التطور يرفع سقف التفاوض الإيراني من مجرد وقف النار إلى صياغة ترتيبات سيادية وأمنية واقتصادية دائمة.
تحول في الردع
وفي حديثه، يقرأ أستاذ العلاقات الدولية جواد حيران نيا هذه الشروط على أنها نتيجة مباشرة لتحول عميق في مفهوم الردع الإيراني.
ويقول إن “الردع الإيراني قبل الحرب كان قائمًا على القوات الوكيلة والقدرة الصاروخية والقدرة النووية الكامنة”، لكن هذا البناء تعرض لاهتزازات قوية بعد إضعاف الحلفاء الإقليميين، ثم بعد الضربات التي طالت جزءًا من القدرات الصاروخية والمنشآت النووية.
ومن هنا، يرى أن طهران خلصت إلى أن الردع التقليدي بصيغته السابقة لم يعد كافيًا.
ويضيف أن إيران دفعت، في ضوء هذا الاستنتاج، باتجاه “إقليمية الحرب”، بحيث لا تبقى مواجهة مباشرة بينها وبين إسرائيل فقط، بل تتحول إلى صراع يثبت قدرتها على إلحاق الضرر بالمصالح والأصول الأمريكية في المنطقة.
وبحسب قراءته، فإن هذا التحول ترافق مع انتقال من “عقيدة دفاعية” تقوم على امتصاص الضربة والرد بالمثل، إلى “عقيدة هجومية” تضع أهدافًا أكثر حساسية، بل وحتى الضربات الاستباقية ضمن الحسابات.
ومن هذه الزاوية، يربط حيران نيا بين نهاية الحرب ومستقبل الردع الإيراني، إذ إن الخروج المطلوب لإيران يجب أن يضمن لها القدرة على ترميم ردعها، لا مجرد وقف تبادل النار.
مكاسب إستراتيجية
وفي قراءة موازية، يرى الباحث السياسي محمد بيات أن طهران تدرك أن الصراع لم يعد مجرد رد عسكري، بل يتعلق بمنع حرب إقليمية أوسع قد تعيد تشكيل ميزان القوى في الخليج.
ويشير إلى أن إيران تريد إنهاء الحرب، ولكن بشروط تحفظ لها الحد الأدنى من المكاسب الإستراتيجية.
ويحدد شرطين أساسيين:
- اتفاق يمنع تكرار الهجمات على السيادة الإيرانية
- تعويض الأضرار، سواء بشكل مباشر أو عبر الإفراج عن الأموال المجمدة أو جذب الاستثمارات
كما يرى أن إيران قد تبدي مرونة في الملف النووي، بينما تؤجل الملفات الصاروخية والإقليمية.
وتبقى “العقدة الكبرى” وفق رأيه هي أمن مضيق هرمز، الذي قد يتحول إلى نقطة خلاف رئيسية إذا طال أمد الحرب.
ترتيب الميدان
بناءً على ذلك، يتضح أن طهران لا تريد تهدئة مؤقتة تعيد ترتيب الميدان ضدها، بل تسعى إلى اتفاق شامل يربط وقف الحرب برفع العقوبات والتعويض وإعادة الإعمار وضمانات الأمن.
كما تسعى إلى حماية منشآتها الحيوية، والإبقاء على قدراتها الصاروخية والمسيّرة خارج أي تنازلات فورية.
وبالتالي، فإن المفاوضات من منظور إيران لا تتعلق بوقف إطلاق النار فقط، بل بتعريف “عدم الهزيمة” وشكل التوازن الذي سيلي الحرب.
إنذار أخير من ترمب لإيران: اتفاق الليلة أو موت حضارة كاملة
حذّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الثلاثاء، من “موت حضارة بأكملها” في إيران إذا لم تستجب البلاد لإنذاره النهائي بقبول مطالب الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.
وكتب ترامب على منصته “تروث سوشيال”، “حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبداً. لا أريد ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث. من يدري؟”.
ولم يدلِ ترامب بتفاصيل إضافية، لكنه سبق أن صرّح بأن الجيش الأميركي قد يقصف الجسور ومحطات توليد الطاقة وغيرها من البنى التحتية المدنية في إيران حتى “يُدمّرها تماما” في حال عدم بلوغ اتفاق ضمن المهلة المحددة.
وقد أعلن ترامب عن مهلة لإيران تنتهي منتصف ليل الثلاثاء بتوقيت غرينتش لإنهاء إغلاقها لمضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي ضيق يُستخدم لنقل النفط والسلع الأخرى.
