ابتكر طلاب شعبة البيوتكنولوجي بكلية الزراعة، جامعة عين شمس، مشروعًا بيئيًا جديدًا لإنتاج بلاستيك حيوي مستدام باستخدام الطحالب الدقيقة، في خطوة واعدة لمواجهة أزمة التلوث البلاستيكي العالمية.
وفي عالم يتغير بوتيرة سريعة تفوق قدرة البشر على التكيف، أصبح البحث عن حلول مبتكرة للتحديات البيئية ضرورة ملحة، خاصة مع تفاقم أزمتين متداخلتين، هما تغير المناخ والانفجار الهائل في النفايات البلاستيكية، حيث يُنتج العالم ملايين الأطنان من البلاستيك سنويًا، وتتراكم كميات مماثلة في البحار والتربة، مهددة الحياة البرية والبشرية.
وفي هذا السياق، توصل فريق الطلاب إلى حل مبتكر يعتمد على طحالب Scenedesmus obliquus لإنتاج بلاستيك حيوي قابل للتحلل، كبديل صديق للبيئة للبلاستيك التقليدي، وذلك تحت إشراف الدكتورة بسمة طلعت عبد الحليم.
وأوضح الفريق أن أهمية المشروع تنبع من المخاطر البيئية الكبيرة للبلاستيك البترولي، الذي تبتلعه الكائنات الحية باعتباره غذاءً، مما يؤدي إلى اختلال النظم البيئية وتدمير الحياة البحرية والبرية، وهو ما يجعل البحث عن بدائل مستدامة أمرًا ضروريًا.
ويندرج المشروع ضمن الاتجاهات الحديثة في علم المواد الحيوية، أو ما يُعرف بـ”عصر الطحالب والموارد المُهدرة”، حيث تُعد الطحالب مصدرًا متجددًا سريع النمو، ولا تتطلب مساحات زراعية واسعة أو استهلاكًا كبيرًا للمياه، ما يجعلها خيارًا مثاليًا ضمن أهداف التنمية المستدامة.
وأشار الفريق إلى أن الطحالب الدقيقة تمتاز بقدرتها على النمو السريع وامتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى إمكانية تحويلها إلى مواد حيوية قابلة للتحلل، مما يجعلها أحد أبرز المرشحين لمستقبل صناعة المواد البديلة للبلاستيك.
وتنتج الطحالب مركبات حيوية تُخزن داخل خلاياها، تُعرف بالبوليمرات الحيوية، والتي يمكن استخراجها واستخدامها في تصنيع مواد شبيهة بالبلاستيك، لكنها تتحلل طبيعيًا دون ترك آثار ضارة.
وفي بيئة مخبرية مُحكمة، تُزرع الطحالب في وسط غذائي خاص، مع توفير إضاءة مستمرة وتهوية مناسبة، حيث لا تحتاج هذه الكائنات الدقيقة سوى إلى ماء نقي، وأملاح معدنية، ودرجة حموضة متوازنة، ومع ذلك تحقق نتائج مبهرة.
وتحت ظروف معينة، تبدأ الطحالب في تخزين كميات كبيرة من البوليمرات الحيوية داخل خلاياها، وعند الوصول إلى النمو المثالي، يتم فصل هذه المواد وتجهيزها للاستخدام الصناعي.
وأجرى الفريق ثلاث تجارب رئيسية؛ بدأت بمحاولات أولية واجهت تحديات في الزراعة، تلتها تجربة ثانية اعتمدت على تحسين عمليات التنقية والتعقيم، ثم تجربة ثالثة حققت نجاحًا كبيرًا، حيث تم إنتاج كتلة حيوية كثيفة ذات لون أخضر عميق، ما أتاح التوسع وزيادة الإنتاج تدريجيًا.
واستخدم الفريق وسط BG-11 المخصص لنمو الطحالب، مع ضبط درجة الحموضة بين 7.5 و8.5، وإضافة المغذيات الدقيقة لضمان نمو مثالي.
وبعد الوصول إلى الكتلة الحيوية المطلوبة، جرت عملية الحصاد باستخدام مواد مساعدة مثل كلوريد الحديد، إلى جانب أجهزة الطرد المركزي لفصل الماء، ثم تلتها مراحل تصنيع البلاستيك الحيوي، التي شملت تكسير الخلايا للحصول على مسحوق جاف، واستخلاص البوليمر باستخدام هيبوكلوريت الصوديوم والأسيتون تحت درجات حرارة محددة، مرورًا بمراحل التنقية والترسيب والتجفيف.
وفي المرحلة النهائية، جرى تشكيل فيلم حيوي داخل حاضنة عند درجة حرارة 35 درجة مئوية لمدة 48 ساعة، عبر مراحل متدرجة تشمل التبخر والتشابك الجزيئي، وصولًا إلى التصلب النهائي.
وأسفرت هذه العمليات عن إنتاج فيلم بلاستيكي حيوي قابل للتحلل، يتمتع بخصائص واعدة من حيث المرونة والقوة والنقاوة وقابلية التشكيل، ما يجعله مرشحًا قويًا ليحل محل البلاستيك التقليدي مستقبلًا.
ويمثل المشروع نموذجًا عمليًا لتوظيف العلوم الحيوية في مواجهة التحديات البيئية، وخطوة مهمة نحو حلول فعالة للحد من أزمة التلوث البلاستيكي.
وأكد الفريق أن الطحالب لا تقتصر أهميتها على إنتاج البلاستيك الحيوي، بل تقدم فوائد بيئية متعددة، من بينها تنقية الهواء عبر امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وتنقية المياه من الملوثات، واستخدامها كسماد طبيعي، فضلًا عن انخفاض استهلاك الطاقة في عمليات الإنتاج مقارنة بالبلاستيك التقليدي.
واختتم الفريق أن الطحالب الدقيقة تمثل ثورة بيئية صامتة يمكن أن تُغير مستقبل صناعة البلاستيك، خاصة في تطبيقات مثل الأكياس وأدوات الطعام ومواد التعبئة الصديقة للبيئة، مؤكدين أن الاستثمار في هذه الكائنات هو استثمار في مستقبل أكثر استدامة.
