لم يعد الحديث عن الاستدامة في صناعة الأغذية والمشروبات يقتصر على الشعارات والرسائل التسويقية، إذ تدفع التشريعات الجديدة الشركات إلى تقديم أدلة واضحة تدعم أي ادعاءات بيئية تطلقها على منتجاتها.
وفي الوقت نفسه، بدأ تغير المناخ نفسه يؤثر في تطوير المنتجات، مع سعي الشركات إلى الاستجابة للاحتياجات الجديدة للمستهلكين التي تفرضها موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة.
وأصبحت موجات الطقس المتطرف أكثر وضوحًا للمستهلكين، وهو ما يعزز الحاجة إلى إجراءات عملية تتجاوز الخطاب العام حول الاستدامة.
ويرى ثايس جيير، الخبير الاقتصادي المتخصص في قطاعي الأغذية والزراعة لدى بنك ING، أن موجة الحر الأخيرة في أوروبا، التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالزراعة في القارة، جعلت تغير المناخ أكثر حضورًا في حياة المستهلكين.
وقال، إن وضوح تأثيرات الظواهر الجوية المتطرفة يجعل من الواضح بصورة متزايدة أن اتخاذ إجراءات مرتبطة بالاستدامة لا يعود بالنفع على المجتمع فقط، وإنما يصب أيضًا في المصلحة الذاتية للشركات، خصوصًا شركات الأغذية التي تتعرض بدرجة أكبر للمخاطر المرتبطة بالمناخ.
وبعبارة أخرى، فإن الاستجابة لتغير المناخ لم تعد مجرد مسألة خطاب أو شعارات، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشركات على الاستمرار والتكيف.
القوانين تغير طريقة تقديم الادعاءات البيئية
من المتوقع أن يؤدي تطبيق توجيه تمكين المستهلكين للتحول الأخضر، المعروف باسم EmpCo، إلى تغيير الطريقة التي تتواصل بها شركات الأغذية بشأن الاستدامة.
وأصبح التشريع نافذًا في الشهر الماضي، ويحظر الادعاءات العامة وغير المدعومة بأدلة بشأن الاستدامة على المنتجات الجديدة والقائمة، بهدف الحد من ظاهرة «الغسل الأخضر» ومنع الشركات من الاعتماد على عبارات فضفاضة لتقديم نفسها على أنها أكثر استدامة.
وقالت بيلا علي-خان، كبيرة الاستراتيجيين في وكالة Catch a Fire، إن العلامات التجارية التي كانت تعتمد على لغة مرنة وغير محددة بشأن الاستدامة بات عليها إما تقديم ما يثبت هذه الادعاءات أو التخلي عنها.
وبالنسبة إلى صناعة الأغذية، لم يعد الحديث عن الاستدامة كافيًا، إذ يتعين أن تكون الادعاءات البيئية مدعومة بأدلة واضحة حتى تصبح قابلة للاستخدام.
ويشير جير إلى أن التشريع دفع بالفعل بعض الشركات إلى تعديل ادعاءاتها المتعلقة بالاستدامة أو حذفها.
وقد يبدو هذا التوجه أحيانًا وكأنه زيادة في ظاهرة «الصمت الأخضر» (Greenhushing)، وهي امتناع الشركات عمدًا عن الترويج لجهودها في مجال الاستدامة خشية أن تُتهم بالغسل الأخضر.
لكن هذا التراجع عن بعض الرسائل البيئية قد يكون ببساطة استجابة مباشرة للمتطلبات التنظيمية الجديدة، وليس بالضرورة تراجعًا عن ممارسات الاستدامة نفسها.
وهكذا، تدفع القواعد الجديدة استجابة شركات الأغذية لتغير المناخ إلى ما هو أبعد من الخطاب، وهو تحول يظهر أيضًا في الطريقة التي يجري بها تطوير المنتجات.
كيف يمكن أن يغير المناخ تطوير المنتجات؟
لطالما كانت الاستدامة جزءًا من أجندة شركات الأغذية والمشروبات، لكن تغير المناخ قد يجعلها تدخل بصورة أكبر في صميم عملية تطوير المنتجات.
وترى جينيفر كريفي، مديرة المحتوى المتخصصة في الأغذية والمشروبات لدى شركة WGSN المتخصصة في استشراف الاتجاهات، أن المستهلكين بدأوا يطلبون منتجات تستجيب بصورة مباشرة لاحتياجاتهم في الطقس الحار.
وقالت إن فترات الحرارة المرتفعة أصبحت أطول وأكثر تكرارًا في مناطق لم تكن تتأثر بالحرارة بالدرجة نفسها في السابق، وهو ما يخلق احتياجات واضحة لدى المستهلكين.
وفي ظل هذه الظروف، من المتوقع أن يبحث المستهلكون عن أطعمة ومشروبات تساعد على التبريد، إلى جانب منتجات تدعم صحتهم الشخصية وقدرتهم على مواجهة الظروف البيئية المتغيرة.
وتتوقع كريفي أن تحقق المنتجات التي تساعد الجسم على التعامل مع الضغوط المرتبطة بالمناخ أداءً أفضل، بدءًا من الترطيب وتنظيم حرارة الجسم، وصولًا إلى حماية البشرة ودعم جهاز المناعة.
الاستدامة تتحول من رسالة تسويقية إلى استجابة عملية
يعكس هذا التحول تغيرًا أوسع في الطريقة التي تتعامل بها صناعة الأغذية الأوروبية مع الاستدامة.
فلم يعد من السهل على الشركات إطلاق ادعاءات عامة وغير مدعومة بالأدلة حول منتجاتها، في ظل القواعد الجديدة التي تستهدف الحد من الغسل الأخضر.
وفي الوقت نفسه، أصبح تأثير تغير المناخ على المستهلكين أكثر وضوحًا، ما يجعل الاكتفاء بالوعد بتقليل هذه التأثيرات مستقبلًا أقل إقناعًا.
وبدلًا من ذلك، يتجه تطوير المنتجات بصورة متزايدة إلى مساعدة المستهلكين على التعامل مع آثار تغير المناخ في الوقت الحاضر، سواء من خلال منتجات تستجيب للحرارة أو تدعم الترطيب وتنظيم حرارة الجسم أو تلبي احتياجات صحية وبيئية فرضتها الظروف المناخية الجديدة.
وهكذا، ينتقل قطاع الأغذية تدريجيًا من مرحلة الحديث عن الاستدامة إلى مرحلة يتعين فيها إثبات الادعاءات، وتغيير المنتجات، والتكيف مع واقع مناخي يتغير بالفعل.
