ارتفاع حرارة أوروبا يدفع السياح شمالًا.. «السياحة الباردة» تهدد وجهات أقل استعدادًا

عندما يدفع تغير المناخ السياح إلى البحث عن صيف أكثر برودة

لأعوام طويلة، اتبعت العطلات الصيفية في أوروبا نمطًا مألوفًا، إذ كان السياح يتجهون جنوبًا بحثًا عن الشمس والطقس الدافئ. لكن تغير المناخ بدأ يقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب.

ومع ارتفاع درجات الحرارة في جنوب أوروبا، تواجه الوجهات السياحية التقليدية ظروفًا صيفية أكثر صعوبة، تشمل موجات الحر الشديدة وحرائق الغابات ونقص المياه.

وبدلًا من التخلي عن السفر خلال الصيف، بدأ بعض السياح في تغيير الوجهات التي يفضلون قضاء عطلاتهم فيها، في اتجاه اكتسب اسمًا جديدًا هو «السياحة الباردة» أو «Coolcation».

وبالنسبة إلى المسافر الفرد، قد يبدو هذا التحول استجابة منطقية لارتفاع درجات الحرارة؛ إذ توفر الوجهة الأكثر برودة ظروفًا أكثر راحة لممارسة الأنشطة الخارجية، وتتيح للسياح مواصلة قضاء عطلاتهم الصيفية بعيدًا عن أشد موجات الحر.

وبالنسبة إلى وجهات شمال أوروبا، قد يبدو هذا التحول فرصة اقتصادية وسياحية مهمة. فقد سجلت منطقة شمال أوروبا، التي تشمل الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة، زيادة بنسبة 10% في أعداد الزوار بين أبريل ويونيو 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وفقًا للمفوضية الأوروبية للسفر.

وأفادت إحدى وكالات السفر بارتفاع عمليات البحث عن الوجهات الأكثر برودة بنسبة 74% مقارنة بعام 2025. وفي الوقت نفسه، أطلق تطبيق السفر «Polarsteps» مؤشرًا للهروب من حرارة الصيف، حلل درجات الحرارة في 25 وجهة، بعدما أظهر استطلاع أجراه أن 35% من المسافرين البريطانيين اختاروا وجهة صيفية أكثر برودة في عام 2026.

لكن إذا اتخذ عدد كبير من الأشخاص القرار نفسه، فإن الوجهة التي كانت جذابة جزئيًا لأنها أكثر برودة أو هدوءًا أو أقل ازدحامًا، قد تبدأ في مواجهة الحشود نفسها المرتبطة بالسياحة الجماعية، إلى جانب تكاليف بيئية محتملة.

وبذلك، يتكيف المسافر الفرد بنجاح مع تغير المناخ من خلال الابتعاد عن الحرارة، لكن هذا التكيف قد يؤدي في الوقت نفسه إلى إعادة توزيع الضغوط السياحية على وجهات قد تكون قدرتها على استيعاب هذه الأعداد محدودة.

اسكتلندا.. الذهاب إلى وجهة باردة بسبب الطقس

تقدم اسكتلندا مثالًا واضحًا على هذا التحول، وأفادت هيئة السياحة الوطنية «VisitBritain» بأن حجوزات الرحلات الجوية إلى الوجهات الاسكتلندية، خلال الأسابيع الستة المنتهية في منتصف يوليو، ارتفعت بنسبة 15% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. وفي المقابل، تراجعت الحجوزات إلى لندن، التي كانت تشهد صيفًا شديد الحرارة.

وعلى الرغم من أن اسكتلندا شهدت هي الأخرى طقسًا أكثر حرارة من المعتاد في بعض الفترات، إضافة إلى اندلاع حرائق غابات في منطقة كيرنجورمز، فإن درجات الحرارة فيها ظلت أقل بكثير من لندن وجنوب إنجلترا.

وتشير المؤشرات الأولية إلى أن اسكتلندا شهدت نموًا في النشاط السياحي خلال عام 2026.

وفي بعض الوجهات الاسكتلندية الشهيرة، مثل جلينكو، جرى افتتاح بنية تحتية إضافية خلال عام 2026، من بينها موقف سيارات جديد، للتعامل مع الأعداد المتزايدة من السياح.

السياحة الباردة

ما التداعيات البيئية للسياحة المتزايدة؟

يمكن أن يسهم نمو السياحة في توفير فرص العمل وزيادة الإنفاق والاستثمارات، لكنه في الوقت نفسه يفرض ضغوطًا متزايدة على المساكن والبنية التحتية والخدمات العامة والبيئات الطبيعية.

وتشعر بعض المجتمعات الاسكتلندية بالفعل بأن السياحة تفرض ضغوطًا كبيرة على مناطقها. ففي عام 2025، رأى 32% من سكان منطقة هايلاند و48% من سكان جزر أوركني أن السياحة تضع ضغوطًا مفرطة على مناطقهم، مقارنة بـ8% فقط في مختلف أنحاء اسكتلندا.

وأدخلت إدنبرة مؤخرًا ضريبة سياحية بنسبة 5% على الليالي الخمس الأولى من أي إقامة، ويمكن استخدام عائداتها في تمويل مشروعات البنية التحتية والإسكان المحلي.

وتشهد النرويج اتجاهًا مشابهًا؛ إذ ارتفع عدد ليالي الإقامة التي حجزها الزوار الدوليون في الفنادق النرويجية بنسبة 3.2% بين مايو ويوليو 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، ليرتفع من 3.28 مليون إلى 3.39 مليون ليلة.

كما أدخلت النرويج ضريبة جديدة تتيح للمجالس المحلية التي تواجه ضغوطًا سياحية فرض رسوم تصل إلى 3% على أماكن الإقامة السياحية.

وفي مدينة روفانييمي، الواقعة في إقليم لابلاند الفنلندي، أدى ارتفاع السياحة الشتوية إلى زيادة الضغوط على المساكن والخدمات المحلية.

وكما يحدث في مراكز سياحية أخرى، أدى تأجير المساكن للسياح إلى تقليص المعروض من المساكن المتاحة للسكان المحليين، وساهم في ارتفاع الإيجارات.

تغير المناخ يعيد توزيع خريطة السياحة

قد تمثل «السياحة الباردة» أكثر من مجرد تغير في تفضيلات قضاء العطلات، إذ يمكن أن تصبح جزءًا من إعادة توزيع أوسع للضغوط السياحية المرتبطة بتغير المناخ.

ويقول نحو 76% من الأوروبيين إن العوامل المرتبطة بالمناخ أصبحت تؤثر في سلوكهم أثناء السفر. ومن بين الأشخاص الذين يغيرون خططهم استجابة لهذه العوامل، يبحث 16% عن وجهات تتمتع بدرجات حرارة أكثر اعتدالًا.

لكن هذا التحول يحمل أيضًا تكاليف بيئية، فالسياح الذين يقضون أوقاتًا في البيئات البرية والريفية قد يتسببون في أضرار تشمل الدهس وضغط التربة وتآكلها. كما يمكن أن يؤدي ازدياد الوجود البشري إلى إزعاج الحياة البرية والإضرار بالغطاء النباتي.

وقد تكون هذه التأثيرات أكثر وضوحًا في المناطق الجبلية والنائية، حيث تكون النظم البيئية غالبًا أكثر هشاشة، وبذلك، قد تضيف «السياحة الباردة» طبقة جديدة من الضغوط التي تعانيها الوجهات السياحية بالفعل نتيجة تغير المناخ.

ويتمثل التحدي أمام وجهات شمال أوروبا في استباق الطريقة التي يمكن أن يعيد بها تغير المناخ تشكيل الطلب السياحي، قبل أن تتعرض البنية التحتية والمساكن والبيئات الطبيعية لضغوط تفوق قدرتها على الاستيعاب.

↑
Exit mobile version