مفاجأة علمية.. صالونات الحلاقة قد تلعب دورًا في تعزيز الوعي البيئي
من قصّ الشعر إلى حماية الكوكب.. دور غير متوقع لمصففي الشعر في التوعية البيئية
تُظهر دراسات حديثة، أن مواجهة تغير المناخ لا تعتمد فقط على السياسات الحكومية أو الابتكارات التكنولوجية الكبرى، بل قد تبدأ أيضًا من أماكن يومية غير متوقعة، مثل صالونات تصفيف الشعر.
فداخل هذه المساحات الاجتماعية الصغيرة، حيث تتشكل علاقات طويلة الأمد بين مصففي الشعر وزبائنهم، يمكن للأحاديث العفوية أن تتحول إلى فرصة لنشر الوعي البيئي وتشجيع السلوكيات المستدامة.
دراسة جديدة أجراها باحثون من مركز التحولات المناخية والاجتماعية بجامعة باث البريطانية، بالتعاون مع عدد من الجامعات الأوروبية، تشير إلى أن مصففي الشعر يمتلكون قدرة مؤثرة على تغيير أنماط التفكير والسلوك لدى الناس فيما يتعلق بالبيئة.
ويرجع ذلك إلى طبيعة العلاقة القائمة على الثقة والحميمية بين المصفف والزبون، حيث يقضي الطرفان وقتًا طويلًا في محادثات شخصية خلال جلسات العناية بالشعر.

صالونات الشعر كمراكز اجتماعية للثقة
تُعد صالونات الشعر بيئة اجتماعية فريدة، إذ يزور كثير من الأشخاص الصالون نفسه لسنوات طويلة، وغالبًا ما يتحدثون مع مصففيهم عن تفاصيل حياتهم اليومية، هذه العلاقة المتكررة تبني مستوى مرتفعًا من الثقة، يجعل الزبائن أكثر تقبلًا للأفكار الجديدة والنصائح المتعلقة بأنماط الحياة.
وبحسب الباحثين، فإن هذا النوع من العلاقات يمثل فرصة مهمة لطرح قضايا الاستدامة بطريقة بسيطة وغير مباشرة.
فالمحادثات التي تبدأ بالحديث عن العناية بالشعر يمكن أن تتطور بسهولة إلى نقاشات حول استهلاك المياه، أو استخدام منتجات صديقة للبيئة، أو تقليل النفايات البلاستيكية.
ويشير القائمون على الدراسة إلى أن البيئة الهادئة والمريحة داخل الصالون تجعل الناس أكثر استعدادًا للتفكير في سلوكياتهم اليومية، مقارنة بالأماكن الرسمية أو الحملات الإعلامية التقليدية.

تجربة علمية داخل الصالونات
لفهم هذا التأثير بشكل أدق، أجرى فريق البحث مقابلات مع نحو 30 من مالكي ومديري صالونات التجميل، بهدف معرفة مدى انتشار النقاشات البيئية بين المصففين والزبائن، وكيف تنشأ هذه الحوارات.
كما اختبر الباحثون فكرة مبتكرة في 25 صالونًا مستدامًا في المملكة المتحدة، تمثلت في وضع لافتات صغيرة على المرايا داخل الصالونات أُطلق عليها اسم “Mirror Talkers”، تضمنت هذه اللافتات رسائل قصيرة ونصائح بسيطة حول الاستدامة والعناية بالشعر بطريقة صديقة للبيئة.
وقد شجعت هذه الرسائل كلاً من المصففين والزبائن على بدء محادثات حول قضايا بيئية مرتبطة بالحياة اليومية، مثل تقليل استهلاك الماء الساخن أثناء غسل الشعر، أو استخدام كميات أقل من الشامبو.

العناية بالشعر وتأثيرها البيئي
توضح الدراسة أن كثيرًا من الناس يربطون المنتجات “الخضراء” عادةً بالتغليف القابل لإعادة التدوير أو المكونات الطبيعية، لكن التأثير البيئي الحقيقي قد يكمن في طريقة استخدام المنتج نفسه.
فعلى سبيل المثال، تشير الأبحاث إلى أن الجزء الأكبر من البصمة الكربونية لمنتجات العناية بالشعر يأتي من استهلاك الماء الساخن أثناء غسل الشعر، وليس فقط من تصنيع العبوة أو مكوناتها.
لذلك، فإن نصائح بسيطة مثل تقليل عدد مرات غسل الشعر، أو استخدام كمية أقل من الشامبو، أو خفض درجة حرارة الماء يمكن أن تؤدي إلى تقليل استهلاك الطاقة والمياه بشكل ملحوظ، إلى جانب توفير الوقت والمال وتحسين صحة الشعر والجلد.
تأثير ملموس على سلوك الزبائن
أظهرت نتائج تجربة “Mirror Talkers” أن هذه المحادثات الصغيرة يمكن أن تحدث فرقًا حقيقيًا، فقد أفاد نحو 73% من زبائن الصالونات المشاركين في الدراسة بأن النقاشات التي دارت أثناء زيارتهم للصالون جعلتهم يفكرون في تغيير عاداتهم المتعلقة بالعناية بالشعر.
وبالفعل، أشار عدد من المشاركين إلى أنهم بدأوا في استخدام منتجات أكثر استدامة، أو تقليل استهلاك الماء الساخن، أو التفكير بشكل أوسع في سلوكياتهم البيئية اليومية.
ويصف الباحثون مصففي الشعر في هذا السياق بأنهم “مؤثرون يوميون”، إذ يمتلكون تأثيرًا حقيقيًا على حياة الناس من خلال العلاقات الشخصية المباشرة، وليس عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الحملات الإعلامية.

دور متنامٍ للصالونات المستدامة
بعض صالونات التجميل بدأت بالفعل في تبني مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من هويتها المهنية، فبعضها يستخدم منتجات نباتية أو أخلاقية المصدر، ويعمل على تقليل النفايات واستهلاك الطاقة، إضافة إلى تشجيع الزبائن على تبني أساليب حياة أكثر صداقة للبيئة.
هذه الصالونات لا تقدم خدمات التجميل فحسب، بل تتحول تدريجيًا إلى مجتمعات صغيرة تجمع أشخاصًا يتشاركون القيم نفسها المتعلقة بالاستدامة والوعي البيئي.
شبكة واسعة يمكن أن تدعم العمل المناخي
تكتسب هذه الفكرة أهمية أكبر عند النظر إلى حجم قطاع التجميل نفسه، ففي المملكة المتحدة وحدها يوجد أكثر من 61 ألف شركة تعمل في مجال تصفيف الشعر والتجميل، وتساهم بنحو 5.1 مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد.
ويرى الباحثون، أن هذه الشبكة الواسعة من الصالونات يمكن أن تصبح قناة فعالة لنشر الوعي البيئي إذا تم دمج مفاهيم الاستدامة في برامج تدريب مصففي الشعر وتعليمهم المهني.
كما يقترحون توسيع مبادرات مثل “Mirror Talkers” على مستوى وطني، بحيث تتحول صالونات التجميل إلى منصات يومية لنشر ثقافة الاستهلاك المسؤول والسلوكيات الصديقة للبيئة.

قوة التغيير في الأحاديث اليومية
تشير الدراسة في النهاية إلى أن التغيير الاجتماعي لا يحدث دائمًا عبر القرارات السياسية الكبرى أو المؤتمرات الدولية، بل قد يبدأ من محادثات بسيطة بين أشخاص يثقون ببعضهم البعض.
ففي الوقت الذي يتركز فيه الاهتمام غالبًا على تأثير المشاهير أو الشخصيات العامة، قد يكون للأشخاص الذين نتفاعل معهم بانتظام في حياتنا اليومية، مثل مصففي الشعر، تأثير أكبر في تغيير سلوكياتنا واتجاهاتنا نحو القضايا البيئية.
وبهذا المعنى، يمكن للأحاديث العادية التي تدور أثناء قص الشعر أو تصفيفه أن تصبح جزءًا صغيرًا لكنه مؤثر في الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ.





