شركات كبرى تتراجع عن التزاماتها المناخية.. والغابات تدفع الثمن والجميع معرض للخطر

الغابات في خطر.. البنوك والشركات تُموّل التدمير البيئي رغم تحذيرات الأمم المتحدة

تُعد الغابات أساسية للحياة كما نعرفها، فهي تلعب دورًا حيويًا كمصدر للكربون ومنظم للمناخ، كما أنها موطن لثروة من التنوع البيولوجي، إذ يقطنها 300 مليون شخص، وتدعم سبل عيش أكثر من مليار شخص. ومع ذلك، فإن الغابات، وما تقدمه من فوائد، مُهددة من قِبل الشركات والبنوك التي تُموّلها.

في عام 2021، التزم جميع رؤساء دول العالم تقريبًا بوقف إزالة الغابات وعكس مسارها بحلول عام 2030، في إعلان غلاسكو بشأن الغابات. وأكدت الأمم المتحدة بوضوح أن أي التزام موثوق بتحقيق صافي انبعاثات صفري يجب أن يشمل القضاء على إزالة الغابات الناجمة عن السلع الأساسية بحلول عام 2025. لقد بلغنا هذا التاريخ، ولا تزال إزالة الغابات متأصلة في الاقتصادات العالمية من خلال تجارة سلع مثل لحوم البقر وفول الصويا وزيت النخيل. إنها مشكلة جماعية تتطلب حلًا جماعيًا.

كان التقدم نحو تحقيق أهداف عام 2030 متقطعًا. فبينما اتخذت بعض الشركات إجراءات بشأن إزالة الغابات والانتهاكات المرتبطة بها لحقوق الإنسان، سارعت شركات أخرى إلى التراجع عن التزاماتها مع أول بادرة تقلب سياسي. ففي يناير/كانون الثاني، تراجعت شركة JBS، وهي شركة برازيلية لتعبئة اللحوم وضمن قائمة “فورست 500″، عن تعهدها بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2040.

تُظهر بيانات جديدة نشرتها منظمة “فورست 500” – التي تُصنّف 500 شركة هي الأكثر تعرضًا لمخاطر إزالة الغابات عالميًا – أن 16 شركة فقط اتخذت إجراءات موثوقة لإزالة الغابات من سلاسل التوريد العالمية الخاصة بها في عام 2024، بينما لا تبذل 484 شركة أخرى جهودًا كافية لمعالجة المشكلة.

إزالة الغابات

تحليل دقيق لأكثر من 300 ألف نقطة بيانات

مؤشر “فورست 500” هو نتيجة لتحليل دقيق لأكثر من 300 ألف نقطة بيانات، ويُصنّف الشركات استنادًا إلى قوة وتنفيذ التزاماتها وإجراءاتها لمعالجة فقدان الغابات والتنوع البيولوجي وانتهاكات حقوق الإنسان.

الشركات الست عشرة الرائدة لا تمثل سوى 3% من المجموعة، وهي تجمع بين التزامات قوية تجاه جميع سلعها الحرَجية المُعرّضة للمخاطر، وأدلة على تنفيذ كافٍ. وتشمل هذه الشركات: مجموعة “فلورا” للأغذية، و”يونيتشارم”، و”أديكواجرو”.

أما “الأغلبية المتأخرة” – وهي مجموعة وسط بين الرائدة والمتأخرة – فتضم 316 شركة (63%) لديها التزامات جزئية أو تنفيذ ضعيف. تميل هذه الشركات إلى التركيز على السلع الأساسية ذات الجودة العالية، مثل زيت النخيل أو الأخشاب، متجاهلةً لحوم البقر والجلود، وهما من العوامل الرئيسة لإزالة الغابات عالميًا. وقد تقدم هذه الشركات التزامات قوية، لكنها تُسجل أداءً ضعيفًا في التنفيذ. من بين الشركات المعروفة في هذه الفئة: “جاب”، و”نايكي”، و”ماكدونالدز”.

أما الشركات الـ168 المتخلفة عن الركب (34%) فليس لديها أي التزام بإزالة الغابات، من بينها 24 شركة لم تُقدّم أي التزام منذ 11 عامًا من تقييمات “فورست 500″، مثل شركة “ديشمان” الألمانية، ومجموعة “برايت فود” الصينية، وشركة “لاند أو ليكس” الأمريكية، المتخصصة في منتجات الألبان وزيت النخيل وفول الصويا والتغليف الورقي.

تأتي هذه النتائج المُقلقة في وقتٍ تتراجع فيه الأجندة السياسية عن دعم حماية الغابات. فقد تم تأجيل القوانين المصممة لاستبعاد إزالة الغابات من سلاسل توريد السلع، مثل لائحة الاتحاد الأوروبي واللوائح البريطانية الخاصة بالسلع المُعرّضة للمخاطر، مع تصدُّر أولويات أخرى جدول الأعمال السياسي. وتعارض بعض الشركات هذه التشريعات، مدعيةً أنها مُكلفة التنفيذ، وسترفع أسعار المواد الغذائية.

أشجار الغابات

شركات قامت بتقييم مخاطر إزالة الغابات

غير أن هذه ليست أعذارًا مقنعة. فهناك أدوات وبيانات وإرشادات مفتوحة المصدر متاحة لمعالجة هذه المشكلة.

وقد قامت شركات رائدة بتقييم مخاطر إزالة الغابات، وتتبع سلاسل التوريد، واتخاذ إجراءات فعالة للقضاء على إزالة الغابات والانتهاكات المرتبطة بها.

شركة “نستله” مثال على ذلك، إذ خضعت لتقييم “فورست 500” منذ عام 2014 لمنتجاتها من زيت النخيل، واللب والورق، ولحوم البقر، وفول الصويا.

وفي التقرير الأخير، أُضيف تقييم منتجات الكاكاو والقهوة، وقد التزمت “نستله” بتحقيق سلاسل توريد خالية من إزالة الغابات والتحويل لجميع سلعها الست بحلول عام 2025، وتُفيد بأن أكثر من 80% من كميات خمس من سلعها أصبحت خالية من إزالة الغابات و/أو التحويل. ويُرجّح أن يكون التدقيق من قِبل النشطاء أحد دوافع هذا التقدم.

الجدير بالذكر أن ارتفاع الأسعار ليس ناتجًا عن التشريعات المناخية، بل عن تأثير تغير المناخ وفقدان الطبيعة على إنتاج الغذاء. ويُقدّر مركز الأبحاث الهولندي “بروفوندو” أن تطبيق قانون الاتحاد الأوروبي سيزيد تكلفة فنجان قهوة إسبريسو بنسبة 0.018% فقط، بينما سيرتفع سعر لحم البقر بنسبة 0.066%.

إحدى الغابات التي تغذي سلسلة توريد ايكيا

الآثار المدمرة لإزالة الغابات

إن الآثار المدمرة لإزالة الغابات على درجات الحرارة ودورة المياه ستُلحق أضرارًا أعمق بالقطاع الزراعي، كما تبيّن في تراجع إنتاج فول الصويا في الأمازون بسبب تغيرات هطول الأمطار، وارتفاع أسعار الكاكاو والقهوة في عام 2024 بسبب تلف المحاصيل نتيجة تغير المناخ.

العام الماضي كان عاشر أكثر الأعوام حرارة على التوالي، وشهد حرائق غابات وفيضانات وجفافًا واسع النطاق. الآن هو الوقت المناسب لاتخاذ إجراءات عاجلة. ما دامت الشركات تضع الأرباح الفورية قبل الكوكب، ستُفوّت فرص حاسمة لحماية الغابات وحقوق الإنسان.

كل جزء من درجة مئوية يمكن تجنّبه له أهميته. وكل هكتار من الغابات يُحفظ يُسهم في تقليل خطر الكوارث المناخية وخسائر الأرواح وتكاليف التكيف. إن التحول إلى اقتصاد مستدام وعادل ليس فقط ممكنًا، بل ضروري، ويتطلب تحركًا سريعًا.

Exit mobile version