
كشفت دراسة حديثة أن التوقف عن شرب القهوة لمدة أسبوعين فقط قد يؤدي إلى تغييرات ملحوظة في بكتيريا الأمعاء، وضغط الدم، والمزاج، وحتى مؤشرات المناعة، ما يشير إلى أن تأثير القهوة يتجاوز كونها مجرد منبه يومي.
وأجريت الدراسة في أيرلندا بقيادة الباحث John F. Cryan من University College Cork، وشملت 62 شخصًا بالغًا سليمًا، قُسموا إلى مجموعتين: أشخاص يستهلكون القهوة يوميًا، وآخرون لا يشربونها عادة.
ونُشرت الدراسة في دورية Nature Communications، وبدأت التجربة بمقارنة المجموعتين من حيث المزاج والذاكرة ومؤشرات الدم والهرمونات المرتبطة بالتوتر وبكتيريا الأمعاء، إضافة إلى المركبات الكيميائية الناتجة عنها.
ثم توقف المشاركون الذين يشربون القهوة عن تناولها تمامًا لمدة 14 يومًا، قبل أن يُعاد إدخال القهوة مرة أخرى لبعضهم بشكل طبيعي، سواء كانت تحتوي على الكافيين أو منزوعة الكافيين، لمقارنة التأثيرات.
اختفاء بعض أنواع البكتيريا
وأظهرت النتائج، أن البنية العامة لبكتيريا الأمعاء كانت مختلفة بين من يشربون القهوة ومن لا يشربونها، رغم أن التنوع الكلي للبكتيريا لم يتغير بشكل كبير، بل تغيرت الأنواع المسيطرة داخل الأمعاء.
وخلال فترة التوقف عن القهوة، انخفضت مستويات الكافيين ومشتقاته، إضافة إلى انخفاض مركب يُعرف باسم “حمض الهيبوريك” في عينات البراز، وهو مرتبط باستهلاك القهوة.
كما لاحظ الباحثون، اختفاء بعض أنواع البكتيريا التي كانت تنشط مع تناول القهوة، في حين عادت مركبات أخرى كانت القهوة تقلل من وجودها إلى الظهور مجددًا، وهي مركبات يُعتقد أنها تساعد في تقليل الالتهابات ودعم صحة جدار الأمعاء.
وأشارت الدراسة إلى أن ضغط الدم لدى محبي القهوة انخفض خلال فترة الامتناع عن تناولها، قبل أن يعود إلى مستوياته الطبيعية عند إعادة استهلاكها.
كما أظهرت النتائج تغيرات في مؤشرات الالتهاب داخل الجسم، حيث ارتفعت هذه المؤشرات بعد التوقف عن القهوة، ثم انخفضت مجددًا عند العودة إلى تناولها، خاصة في حالة القهوة المحتوية على الكافيين.
تأثير القهوة لا يعتمد على الكافيين وحده
وفي المقابل، أظهرت القهوة منزوعة الكافيين تأثيرات مختلفة، إذ ارتبطت بزيادة طفيفة في بعض مؤشرات الالتهاب، ما يشير إلى أن تأثير القهوة لا يعتمد على الكافيين وحده.
وأوضح الباحثون أن القهوة تحتوي على مئات المركبات النباتية، وليس الكافيين فقط، بما في ذلك الأحماض ومركبات البوليفينول، التي تصل إلى الأمعاء وتؤثر على بكتيريا الجهاز الهضمي.
وسجلت الدراسة أيضًا تغيرات في بعض مؤشرات الدماغ المرتبطة بالمزاج والانتباه، حيث ارتفعت مستويات التشتت والانفعال لدى محبي القهوة في البداية، ثم عادت إلى طبيعتها بعد التوقف عنها.
كما أظهرت النتائج، أن التعب والصداع الناتجين عن الامتناع عن القهوة تراجعا تدريجيًا خلال الأيام الأولى، قبل أن يعود الشعور بالطاقة بشكل طبيعي.
تأثير القهوة على الذاكرة
وأحد أبرز النتائج تمثل في تأثير القهوة على الذاكرة، إذ تحسنت بعض القدرات المعرفية لدى المشاركين الذين عادوا إلى تناول القهوة منزوعة الكافيين، بينما لم يظهر نفس التحسن لدى من تناولوا القهوة المحتوية على الكافيين.
ورصد الباحثون أيضًا انخفاض مستويات مادة “GABA”، وهي الناقل العصبي المسؤول عن تهدئة نشاط الدماغ، لدى من يستهلكون القهوة، إضافة إلى انخفاض مركبات أخرى مرتبطة بصحة الإدراك.
وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعكس مستويات الدماغ مباشرة، بل تشير إلى تغييرات في البيئة المعوية التي قد تنعكس بشكل غير مباشر على الدماغ عبر ما يُعرف بمحور الأمعاء–الدماغ.
وأشار الفريق إلى أن حجم العينة محدود، وأن النتائج لا يمكن تعميمها على جميع الفئات أو الحالات المرضية.
ومع ذلك، خلص الباحثون إلى أن القهوة – سواء كانت تحتوي على الكافيين أو خالية منه – تؤثر بوضوح على ميكروبيوم الأمعاء والجهاز المناعي وبعض الوظائف الإدراكية، ما يجعلها أكثر من مجرد مشروب منبه.
