سياحة بلا بلاستيك في الصحراء.. نزل بيئي يحول الاستدامة إلى تجربة للزوار في أرض الديناصورات

نزل بيئي يحول السياحة إلى أداة لحماية صحراء جوبي.. نزل «الجمال الثلاثة» في منغوليا

في قلب صحراء جوبي الشاسعة، حيث تمتد الأراضي القاحلة بعيدًا عن المدن ومظاهر الحياة الحديثة، تقدم تجربة سياحية مختلفة نموذجًا يجمع بين استكشاف الطبيعة والحفاظ عليها، من خلال نزل بيئي يسعى إلى تعريف الزوار بأسلوب الحياة التقليدي للبدو الرحل في منغوليا، مع تطبيق ممارسات مستدامة للحد من التأثير البيئي للسياحة.

 

ويقدم Three Camel Lodge، الواقع في منطقة بولجان بصحراء جوبي، تجربة إقامة وسط واحدة من أكثر المناطق عزلة في العالم، حيث يستطيع الزوار الاقتراب من الطبيعة واكتشاف الثقافة البدوية التي لا تزال تمثل جزءًا أساسيًا من المجتمع المنغولي.

 

وتعتمد الحياة البدوية في منغوليا على تربية الحيوانات، ويشكل البدو نحو ربع سكان البلاد البالغ عددهم أكثر من 3 ملايين نسمة.

 

مساكن تقليدية بوسائل راحة حديثة

يضم النزل 40 مسكنًا دائريًا يعرف باسم «جير»، وهي مساكن تشبه الخيام التقليدية وتصنع من الخشب واللباد والحبال.

 

وتتميز هذه المساكن بقدرتها على التفكيك والنقل وإعادة التجميع، وهو ما يتناسب مع طبيعة الحياة البدوية، كما أنها مصممة لتحمل الرياح القوية التي تهب على الصحراء.

 

ورغم حفاظها على الشكل التقليدي، توفر المساكن للنزلاء وسائل راحة حديثة، من بينها الحمامات الخاصة والمياه الجارية والكهرباء التي يتم إنتاجها باستخدام الطاقة الشمسية.

 

ويضم النزل أيضًا مطعمًا وبارًا ومنتجعًا صحيًا، في مزيج يجمع بين تجربة الحياة في البرية وبعض مظاهر الضيافة الفاخرة.

كيف بدأت فكرة النزل؟

تعود فكرة إنشاء النزل إلى رجل الأعمال المنغولي الأمريكي جالسا أوروبشوروف، الذي نشأ في الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن الماضي، لكنه ظل مرتبطًا بثقافة بلاده الأصلية من خلال القصص التي كان والده يرويها له عن منغوليا.

 

وفي أوائل تسعينيات القرن الماضي، وبعد أن فتحت منغوليا حدودها أمام السياح الدوليين، تمكن أوروبشوروف من زيارة البلاد للمرة الأولى.

 

وخلال رحلته إلى المناطق الريفية، التقى بأحد الرعاة وأقام في مخيمات «جير»، لتصبح التجربة نقطة تحول في علاقته بالبلاد.

 

وبعد ذلك، كُلف أوروبشوروف بالمساعدة في جذب المزيد من السياح الغربيين إلى منغوليا، فأسس في عام 1992 شركة للسفر والسياحة تقدم رحلات في منغوليا ودول أخرى.

 

وفي عام 2002 قرر إنشاء مشروع دائم في صحراء جوبي، فظهر Three Camel Lodge ليقدم للسياح فرصة للتعرف على الطبيعة والثقافة البدوية في المنطقة.

أرض الديناصورات والمنحدرات المشتعلة

لا تقتصر جاذبية المنطقة المحيطة بالنزل على الصحراء والمناظر الطبيعية، إذ تشتهر صحراء جوبي أيضًا بأنها واحدة من أهم المناطق المرتبطة باكتشافات الديناصورات.

 

وعلى بعد نحو نصف ساعة بالسيارة من النزل، تقع منطقة بايان زاغ، التي تعد من أهم مواقع حفريات الديناصورات في العالم.

 

وفي عشرينيات القرن الماضي، شهدت المنطقة أحد أوائل الاكتشافات العلمية المعترف بها لبيض الديناصورات، عندما عثر عالم الحفريات روي تشابمان أندروز وفريقه من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي على أعشاش للديناصورات.

 

وأطلق أندروز على المنطقة اسم «المنحدرات المشتعلة» بسبب الصخور الرملية الحمراء التي تتحول إلى لون شديد الاحمرار عند غروب الشمس، فتبدو وكأنها مشتعلة.

 

ولا تزال حفريات الديناصورات تُكتشف في المنطقة حتى اليوم.

 

ويستطيع زوار النزل أيضًا الوصول إلى منطقة مولتسوغ إلس، التي تبعد نحو 15 دقيقة بالسيارة، وتتميز بوجود كثبان رملية وسط صحراء جوبي.

 

ويمكن للسياح استكشاف الكثبان سيرًا على الأقدام أو ركوب الجمال التي يوفرها أفراد من عائلات الرعاة المحليين.

 

محميات طبيعية وحياة برية

وبعيدًا عن الكثبان والمنحدرات الحمراء، تتميز صحراء جوبي أيضًا بمناطق غنية بالحياة النباتية والحيوانية.

 

وعلى بعد نحو ساعة من النزل، يقع وادي يول، الذي أنشئ في الأساس لحماية الطيور، ومن بينها نسر اللحية، المعروف باسم «يول».

 

كما يمكن للسياح زيارة متنزه جوبي جورفان سايخان الوطني، وهو منطقة محمية تتميز بتنوعها البيولوجي، وتضم مجموعة من الحيوانات البرية، من بينها الغزلان البيضاء والنمور والنسور الذهبية.

 

ويمكن استكشاف الوادي سيرًا على الأقدام أو على ظهور الخيول، بينما يجري خلال فصل الصيف مجرى مائي صغير داخل الوادي الضيق والعميق.

 

ويقدم النزل أيضًا مجموعة من الأنشطة التي تسمح للزوار بالتعرف على الثقافة المحلية والطبيعة، من بينها الرماية التقليدية للبدو، ومراقبة النجوم، وركوب الدراجات، ودروس الطهي.

 

السياحة المستدامة في قلب الصحراء

مع وجود هذه البيئة الطبيعية البكر حول النزل، أصبحت حماية الطبيعة جزءًا أساسيًا من تصميم المشروع وتشغيله منذ البداية.

 

ويعتمد النزل حاليًا على ثلاثة محاور رئيسية في سياسته للاستدامة، هي الإدارة المستدامة للموارد، والحفاظ على البيئة، وتمكين المجتمع المحلي.

 

ومن أبرز الإجراءات التي اتخذها النزل التخلص من استخدام زجاجات المياه البلاستيكية أحادية الاستخدام، واستبدالها بأكواب وأوعية معدنية قابلة لإعادة الاستخدام يقدمها للضيوف.

 

كما أنشأ النزل نظامًا لإدارة النفايات من البداية، مع تحويل جزء من المخلفات بعيدًا عن مدافن النفايات من خلال إنشاء دفيئة مخصصة لعمليات التسميد.

 

وتوفر الألواح الشمسية الطاقة اللازمة لتشغيل معظم الإضاءة في النزل، بينما يتم الحصول على مواد البناء والأثاث والديكور من مصادر محلية قدر الإمكان، وفي نطاق لا يتجاوز نحو 50 ميلًا من موقع النزل.

 

ويؤكد مؤسس المشروع أن الالتزام بالاستدامة لا يتعلق فقط بالتجهيزات، وإنما يجب أن يظهر في الهندسة المعمارية والتصميم والعمليات اليومية، إلى جانب احترام الثقافة التي يسعى المشروع إلى تقديمها للزوار.

 

السكان المحليون جزء من نموذج الاستدامة

لا تقتصر الاستدامة في النزل على تقليل استهلاك الموارد أو حماية الطبيعة، بل تمتد إلى الاستثمار في سكان المنطقة.

 

ويعمل في النزل نحو 30 موظفًا منغوليًا بدوام كامل، في إطار توجه يعتمد على توفير فرص العمل للسكان المحليين وإشراكهم في النشاط السياحي.

 

ويعتبر دعم المجتمع المحيط جزءًا أساسيًا من أهداف المشروع، سواء من خلال دعم البرامج التعليمية أو التعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة في علم الحفريات للمساعدة في حماية حفريات الديناصورات.

 

ويهدف هذا النهج إلى جعل السياحة مصدرًا للدخل وفرص العمل، وفي الوقت نفسه أداة للمساعدة في الحفاظ على التراث الطبيعي والثقافي للمنطقة.

 

الوصول إلى النزل رحلة في حد ذاتها

ربما يكون الوصول إلى Three Camel Lodge جزءًا من تجربة المغامرة نفسها، فالموقع البعيد يجعل الرحلة إليه مختلفة عن الوجهات السياحية التقليدية.

 

وتستغرق الرحلة من العاصمة المنغولية أولان باتور إلى صحراء جوبي نحو 7 أو 8 ساعات بالسيارة، وهو ما قد يمثل تحديًا للسائح المعتاد على الرحلات القصيرة.

 

وتتوفر رحلات جوية إلى المنطقة، لكنها غالبًا ما تنطلق في منتصف الليل وتصل إلى مطار دالانزادجاد مع شروق الشمس تقريبًا.

 

ومن المطار، يحتاج الزائر إلى رحلة أخرى بالسيارة تستغرق نحو ساعة عبر الصحراء التي لا توجد بها طرق ممهدة، قبل أن يظهر النزل من بعيد وسط المشهد الصحراوي وكأنه واحة في قلب البرية.

 

ولا يكون الخروج من صحراء جوبي دائمًا أسهل؛ إذ قد تتعرض الرحلات الجوية إلى العاصمة للإلغاء في وقت قصير، كما لا تعمل بعض الرحلات خلال فصل الشتاء.

 

ويعمل النزل، وفق نظامه التشغيلي، من بداية مايو حتى نوفمبر، بينما يأمل القائمون عليه في تمديد موسم السياحة قليلًا، وتحسين وسائل النقل والوصول إلى المناطق النائية.

 

نموذج يجمع السياحة بالحفاظ على البيئة

تقدم تجربة Three Camel Lodge نموذجًا للسياحة المستدامة يقوم على فكرة أساسية، وهي أن جذب السياح إلى المناطق الطبيعية النائية لا يجب أن يأتي على حساب البيئة أو المجتمعات المحلية.

 

فبدلًا من بناء منشأة سياحية منفصلة عن محيطها، يعتمد النزل على المساكن التقليدية، والطاقة الشمسية، وتقليل استخدام البلاستيك، وإدارة المخلفات، واستخدام المواد المحلية، وتوفير فرص العمل للسكان.

 

وفي الوقت نفسه، يمنح الزوار فرصة للتعرف على ثقافة البدو الرحل، واستكشاف صحراء جوبي، ومشاهدة الحياة البرية، وزيارة مواقع حفريات الديناصورات، ما يجعل التجربة السياحية وسيلة للتعريف بالبيئة والثقافة وحمايتهما في آن واحد.

 

وتكشف التجربة أن مفهوم السياحة المستدامة لا يعني التخلي عن الراحة، وإنما إعادة تصميم السياحة بحيث تصبح الموارد الطبيعية والثقافية جزءًا من الحل بدلًا من أن تكون ضحية للنشاط السياحي.

Exit mobile version