سر صمود الطماطم أمام الجفاف.. توقيت فتح مسام الأوراق يصنع الفارق
كيف تهزم الطماطم الجفاف؟.. العلماء يكشفون سر استخدام المياه في الوقت المناسب
كشفت دراسة علمية جديدة أن توقيت استخدام نباتات الطماطم للمياه قد يكون عاملًا حاسمًا في قدرتها على تحمل الجفاف والتعافي منه، إذ أظهرت أصناف أكثر قدرة على الصمود نمطًا مميزًا يتمثل في فتح مسام أوراقها مبكرًا في الصباح، عندما تكون الظروف مناسبة لعملية البناء الضوئي، قبل أن تشتد حرارة الهواء وقوة سحب الرطوبة.
وتشير النتائج إلى أن النباتات لا تتعامل مع المياه بطريقة ثابتة طوال اليوم، وإنما تضبط استهلاكها وفقًا لتغير شدة الضوء ودرجة الحرارة ورطوبة الهواء ورطوبة التربة، وهو ما يفتح المجال أمام استخدام هذه الآليات في تطوير أصناف زراعية أكثر قدرة على مواجهة موجات الجفاف المرتبطة بتغير المناخ.
ونُشرت الدراسة في دورية Plant Science.
مسام صغيرة تتحكم في كفاءة استخدام المياه
تعتمد النباتات على مسام دقيقة تُعرف باسم الثغور الموجودة على سطح الأوراق، وتسمح هذه الفتحات بدخول ثاني أكسيد الكربون اللازم لعملية البناء الضوئي، التي تنتج خلالها النباتات السكريات اللازمة للنمو باستخدام ضوء الشمس.
لكن فتح الثغور له تكلفة؛ إذ يؤدي في الوقت نفسه إلى فقدان المياه على هيئة بخار من خلال عملية النتح.
لذلك تواجه النباتات معادلة دقيقة: تحتاج إلى فتح الثغور للحصول على ثاني أكسيد الكربون وإجراء البناء الضوئي، لكنها تحتاج أيضًا إلى تقليل فتحها عندما تصبح الظروف الجوية أكثر جفافًا لتجنب فقدان كميات كبيرة من المياه.
وأظهرت الدراسة أن التوقيت الذي تفتح فيه الطماطم ثغورها يمكن أن يكون أكثر أهمية من مجرد عدد هذه الثغور أو حجمها.
29 سلالة من الطماطم تحت المجهر

أجرى فريق من الجامعة العبرية في القدس دراسة على 29 سلالة وراثية من الطماطم، بالاعتماد على سجلات ميدانية امتدت لعدة سنوات، وشملت إنتاج الثمار وكتلة الأجزاء الخضرية للنباتات في ظروف الري والجفاف.
واختار الباحثون ست سلالات تراوحت بين النباتات ذات الأداء القوي والضعيف، إلى جانب الصنف المرجعي M82، لإجراء تجارب في البيوت الزجاجية على نباتات صغيرة.
وساعد هذا التصميم على الربط بين أداء النباتات الذي ظهر في الحقول والكيفية التي تتعامل بها مع المياه في ظروف يمكن التحكم فيها بدقة.
وخلال التجارب، وُضعت النباتات في أصص فوق موازين شديدة الحساسية تستطيع تسجيل التغيرات الصغيرة في وزن النبات.
وبما أن الجزء الأكبر من فقدان الوزن خلال النهار يرجع إلى خروج المياه من الأوراق، تمكن الباحثون من تتبع معدل النتح واستهلاك المياه على مدار اليوم بصورة مستمرة.
الطماطم الأقوى تبدأ استهلاك المياه مبكرًا
كشفت القياسات أن بعض السلالات ذات الأداء الأفضل في الحقول كانت تستهلك كميات أكبر من المياه وتنمو بصورة أسرع عندما تتوافر المياه بكثرة.
لكن عند تعرضها للجفاف، استطاعت هذه النباتات تقليل فقدان المياه في وقت مبكر، وهو ما يشير إلى أن النبات الذي يستهلك كمية كبيرة من المياه في الظروف المثالية ليس بالضرورة أقل كفاءة عندما يواجه الإجهاد المائي.
وكانت السلالتان IL5-2 وIL11-4 من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ أظهرتا ارتفاعًا واضحًا في نشاط الثغور خلال ساعات الصباح، حتى مع انخفاض رطوبة التربة.
وخلال هذه الفترة، يكون الضوء قويًا بما يكفي لدعم عملية البناء الضوئي، في حين لم تصل قوة الجفاف الناتجة عن حرارة الهواء وانخفاض الرطوبة إلى ذروتها بعد.
وبعد ذلك، تمكنت هذه النباتات من خفض نشاط الثغور بسرعة، ما ساعدها على الحد من فقدان المياه في الساعات التي أصبحت فيها الظروف أكثر جفافًا.
في المقابل، وصلت بعض السلالات الأضعف إلى ذروة نشاط الثغور في وقت متأخر من اليوم، واستمرت في فقدان المياه لفترة أطول.
استخدام المياه لا يعني بالضرورة إهدارها
ومن النتائج اللافتة في الدراسة أن النباتات التي استهلكت كميات أكبر من المياه لم تكن بالضرورة الأقل كفاءة في استخدامها.
فعلى مدار التجربة، ارتبط فقدان المياه الأكبر في بعض السلالات بإنتاج كمية أكبر من المادة الجافة في السيقان والأوراق، إلى جانب قدرة أفضل على التعافي بعد استئناف الري.
وكانت بعض النباتات القوية قادرة على إنتاج كتلة نباتية أكبر نسبيًا مقابل كمية المياه التي فقدتها.
ويعني ذلك أن كفاءة استخدام المياه لا يمكن اختزالها ببساطة في تقليل استهلاك النبات للمياه.
فالنبات الذي يحافظ على المياه طوال الوقت قد يحافظ على رطوبة التربة لفترة أطول، لكنه قد يحقق نموًا أقل، بينما يمكن لنبات آخر استخدام المياه بسرعة خلال الفترات التي تكون فيها الظروف مناسبة للبناء الضوئي، ثم تقليل الفقد عندما تزداد حدة الجفاف.
التعافي السريع يكشف قوة النبات
لم تتوقف الدراسة عند قياس استهلاك المياه أثناء الجفاف، بل تابعت أيضًا قدرة النباتات على استعادة نمطها الطبيعي بعد عودة الري.
وأظهرت النتائج أن السلالات المختلفة استطاعت استعادة معدلات استخدام المياه السابقة، لكن بعض السلالات كانت أسرع من غيرها في استعادة نشاطها.
وسجلت السلالة IL5-2 عودة أسرع إلى معدل استهلاك المياه السابق مقارنة بسلالتي IL8-1 وIL2-6.
ويشير ذلك إلى أن سرعة التعافي بعد انتهاء الجفاف قد تمثل صفة مهمة يمكن استخدامها عند اختيار الأصناف الزراعية الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الظروف المناخية المتغيرة.
لماذا لا تكفي معرفة عدد الثغور؟
فحص الباحثون أيضًا عدد الثغور الموجودة على سطحي أوراق الطماطم وحجم فتحاتها.
وأظهرت بعض السلالات القوية عددًا أكبر من الثغور على السطح السفلي للأوراق، كما وصلت إلى ذروة فتح الثغور في وقت مبكر.
لكن عدد الثغور وحده لم يكن مؤشرًا موثوقًا على قدرة النبات على تحمل الجفاف.
فقد تشترك سلالة ضعيفة مع أخرى قوية في نمط متشابه من حيث كثافة الثغور، لكنها تحافظ على فتحات صغيرة طوال اليوم.
ويفسر الباحثون ذلك بأن صورة الثغور التي يتم الحصول عليها من ورقة واحدة وفي لحظة محددة لا تعكس بالضرورة ما يحدث في النبات بأكمله على مدار اليوم.
أما القياسات المستمرة، فتجمع نشاط عدد كبير من الأوراق وتكشف الإيقاع اليومي الحقيقي لاستخدام المياه.
إشارة جديدة لمربي المحاصيل
يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد في تطوير طرق جديدة لاختيار النباتات المقاومة للجفاف في برامج تربية المحاصيل.
وقالت البروفيسورة مناحيم موشيليون، التي شاركت في قيادة الدراسة، إن النباتات لا تكتفي بتوفير المياه أثناء الجفاف، وإنما تدير استخدامها بصورة استراتيجية.
وأضافت أن فهم هذه الأنماط اليومية يمكن أن يمنح المربين صفات جديدة يمكن استهدافها عند تطوير محاصيل قادرة على النمو في ظل ظروف مناخية أكثر تقلبًا.
كما أوضح الدكتور سانبون تشاكا غوسا أن قياس استجابة النبات بصورة مستمرة، بدلًا من الاعتماد على قياس واحد في وقت محدد، قد يساعد في التعرف مبكرًا على الأصناف الأكثر قدرة على الصمود.
هل يمكن استخدام النتائج لزيادة إنتاج الطماطم؟
رغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن الدراسة لا تثبت أن فتح الثغور مبكرًا في الصباح يؤدي مباشرة إلى زيادة إنتاج الطماطم.
فالتجربة التفصيلية الخاصة باستخدام المياه اقتصرت على سبعة أنماط وراثية وعدد محدود من النباتات، كما أجريت على نباتات صغيرة داخل بيت زجاجي.
أما بيانات الإنتاج الحقلي، فجاءت من مواسم زراعية سابقة، ما يعني أن العلاقة بين توقيت استخدام المياه والنمو والإنتاج تحتاج إلى اختبارات ميدانية أوسع.
كما تختلف استجابة النبات للجفاف باختلاف نوع التربة والمناخ ومدة الجفاف وشدته.
لذلك يرى الباحثون أن السمة الأكثر إثارة للاهتمام في الوقت الحالي ليست مجرد عدد الثغور أو كمية المياه التي يفقدها النبات، وإنما كيفية تغير استهلاك المياه من ساعة إلى أخرى، وخاصة في ساعات الصباح وبعد عودة الري.
وتشير الدراسة إلى أن مواجهة الجفاف قد لا تعتمد فقط على جعل النباتات تستهلك مياهًا أقل، بل على تعليمها – عبر الانتخاب الوراثي والتربية الزراعية – متى تستخدم المياه ومتى توفرها.





