سر بطء المشي لدى كبار السن.. الجسم يختار الأمان على السرعة
التوازن قبل الكفاءة.. كيف يعيد الجسم برمجة المشي مع التقدم في السن؟
يؤدي الكاحل وظيفتين أساسيتين في آن واحد: امتصاص وزن الجسم عند ملامسة القدم للأرض، ودفع الجسم إلى الأمام قبل الخطوة التالية. وهاتان المهمتان تتعارضان جزئيًا.
طوال معظم مراحل الحياة، ينجح الكاحل في أداء هاتين الوظيفتين بكفاءة. لكن مع التقدم في العمر، يبدأ هذا التوازن في التغير تدريجيًا.
كشفت دراسة أسترالية شملت 107 بالغين أصحاء تتراوح أعمارهم بين العشرينات ومنتصف الثمانينيات، أن الكاحل يميل مع التقدم في السن إلى التركيز على “الهبوط الآمن” بدلًا من “الدفع للأمام”.
هذا التغير البسيط، الذي يتكرر مع كل خطوة على مدار سنوات، يفسر إلى حد كبير سبب بطء المشي والشعور بالتعب بشكل أسرع لدى كبار السن.
في جامعة فليندرز بمدينة أديلايد، قام الباحثون بتحليل ميكانيكا المشي عبر ستة عقود من العمر، ووجدوا أن الكاحل يلعب الدور الأهم في هذا التحول.

ومع التقدم في السن، يبدأ الجسم في تفضيل الاستقرار على الكفاءة، ما يساعد على تجنب السقوط، لكنه يجعل المشي أكثر إجهادًا.
أظهرت القياسات أن العضلات المحيطة بالكاحل تبدأ بالعمل بشكل متزامن بدلًا من التناوب. فعندما تنقبض العضلات التي ترفع القدم وتلك التي تدفعها للأسفل في الوقت نفسه، يصبح المفصل أكثر صلابة عند ملامسة الأرض.
هذا التصلب ليس خللًا، بل تكيفًا طبيعيًا يعزز التوازن ويقلل خطر الانزلاق أو فقدان الاستقرار.
لكن لهذا التكيف تكلفة، إذ تستهلك العضلات طاقة أكبر دون تحقيق حركة فعالة للأمام، ما يؤدي إلى زيادة الجهد المبذول أثناء المشي.
كما لاحظ الباحثون تراجعًا في قوة الدفع التي يولدها الكاحل عند مغادرة القدم للأرض، وهي القوة الأساسية التي تحرك الجسم للأمام.
ومع انخفاض هذه القوة، تصبح الخطوات أقصر، وتتباطأ سرعة المشي.
ويشير الباحثون إلى أن الجهاز العصبي لا يكتفي بالتكيف مع التغيرات الجسدية، بل يعيد ضبط طريقة التحكم في الحركة، مفضلًا الأمان وتجنب السقوط على حساب السرعة.
ورغم أن هذا التكيف يحمي من المخاطر الفورية، فإنه يؤدي إلى آثار تراكمية، مثل زيادة الشعور بالتعب، وبطء الاستجابة عند التعثر، وفقدان الثقة أثناء المشي على الأسطح غير المستوية.
وتعيد هذه النتائج النظر في برامج الوقاية من السقوط، التي ركزت تقليديًا على تقوية العضلات فقط، إذ تشير الدراسة إلى أهمية تحسين التناسق العضلي والتوازن، وليس القوة وحدها.

ويوصي الباحثون بممارسة أنشطة تعزز التوازن والتنسيق، مثل تمارين التاي تشي، إلى جانب التمارين التي تستهدف عضلات الساق.
وتؤكد الدراسة أن التغيرات المرتبطة بالعمر ليست مجرد تدهور، بل هي تكيف ذكي من الجسم يفضل الأمان والاستقرار.
هذا الفهم الجديد يفتح الباب أمام تطوير برامج تدريبية أكثر دقة، تساعد على الحفاظ على الحركة والاستقلالية مع التقدم في العمر.





