قنبلة سامة في قلب الطبيعة.. ماذا يحدث عندما تنهار سدود مخلفات التعدين؟
عندما انهار الحاجز الذي يحتجز مخلفات التعدين في حزام النحاس في زامبيا خلال فبراير 2025، اندفعت موجة من المياه الملوثة بالمواد السامة نحو الأنهار، لتتحول الكارثة سريعًا إلى أزمة بيئية وطنية.
فقد تدفّق أكثر من 50 مليون لتر مكعب من الأحماض والمعادن الثقيلة إلى مجرى تشامبيشي، أحد روافد نهر كافو، أطول أنهار زامبيا.
وخلال وقت قصير ظهرت آلاف الأسماك النافقة على سطح المياه، بينما امتدت آثار التلوث إلى التماسيح والحياة البرية في المنطقة.
وبالنسبة للملايين الذين يعتمدون على نهر كافو كمصدر رئيسي للمياه، شكّل انهيار سد مخلفات منجم النحاس التابع لشركة Sino-Metals المملوكة للدولة الصينية كارثة بيئية لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
وقد أدت الكارثة إلى تعطيل إمدادات مياه الشرب لمدينة كيتوي، ثالث أكبر مدن زامبيا، التي يسكنها نحو نصف مليون شخص.
تلوث يمتد عشرات الكيلومترات
رُصدت آثار التلوث على بعد نحو 100 كيلومتر من موقع الانهيار، حيث اضطرت السلطات إلى إرسال مروحيات لإلقاء الجير في المياه في محاولة لتقليل الحموضة العالية.
وتعد المنطقة المتضررة موطنًا لعدد من الأنواع النادرة من الحياة البرية، مثل ظبي كافو ليتشوي وطائر الباربيت الزامبي والرافعة المتوجة.
تقول المزارعة ماري ميليمو (65 عامًا)، التي تعيش بالقرب من موقع التلوث: “بدا الماء وكأنه مزيج من الديزل والزيت. كنا قد زرعنا محاصيلنا بالفعل، لكنها ماتت. وعندما نحفر التربة اليوم نجدها صفراء ولها رائحة نفاذة.”
أما المزارع باتريك شينديموا (66 عامًا) فيقول: “لم يعد هناك سمك في النهر. زرعت الذرة باستخدام الري، لكنها جفت بالكامل.”
قنبلة بيئية كامنة
تمثل سدود مخلفات التعدين منشآت ضخمة تُستخدم لتخزين النفايات الناتجة عن عمليات استخراج المعادن، وغالبًا ما تحتوي على مواد شديدة السمية مثل المعادن الثقيلة.
ورغم أنها مصممة نظريًا لتبقى مستقرة إلى الأبد، فإن تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة – مثل الفيضانات والأمطار الغزيرة – زادت من احتمالات انهيار العديد منها.
ويقول خبراء إن هذه المنشآت أصبحت أكثر عرضة للخطر مع تزايد حدة الكوارث المناخية.
تهديد للتنوع البيولوجي
تشير تحليلات أجراها باحثون إلى وجود 108 سدود مخلفات تعدين على الأقل داخل مناطق رئيسية للتنوع البيولوجي حول العالم، وهو رقم مرشح للارتفاع بسبب نقص البيانات.
ويمثل ذلك نحو 5٪ من منشآت المخلفات المعروفة عالميًا.
وقد شهد العالم بالفعل كوارث مدمرة مرتبطة بهذه السدود، أبرزها:
– كارثة برومادينيو في البرازيل عام 2019 التي أودت بحياة 272 شخصًا.
– كارثة ماريانا عام 2015 التي قتلت 19 شخصًا وسببت تلوثًا امتد لأكثر من 640 كيلومترًا من الأنهار، وأدت هذه الكارثة إلى زيادة خطر انقراض 13 نوعًا مائيًا وإلحاق أضرار بـ 346 نوعًا آخر.
تلوث يستمر لعقود
تكمن خطورة مخلفات التعدين في أن المعادن الثقيلة لا تتحلل بمرور الزمن، بل تتراكم في السلاسل الغذائية وتؤثر على النباتات والكائنات الدقيقة في التربة.
وتوضح إيلين بيكر، أستاذة علوم البحار في جامعة سيدني، أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة صناعة التعدين نفسها.
وتقول: “طريقة التعدين لم تتغير كثيرًا منذ العصر الروماني. نستخرج المعادن ونترك وراءنا كميات هائلة من النفايات السامة.”
وتضيف: “هذه السدود لا تختفي مع الزمن. يجب صيانتها إلى الأبد، ما يعني أننا نترك لأجيال المستقبل جبالًا من النفايات الخطرة.”
التعدين والطاقة النظيفة
ورغم المخاطر البيئية، فإن الطلب العالمي على المعادن – خاصة تلك المستخدمة في الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة – يتزايد بسرعة.
لكن هذا التوسع قد يؤدي إلى زيادة كميات مخلفات التعدين خلال العقود المقبلة.
وأظهرت أبحاث حديثة أن 9٪ من سدود مخلفات التعدين تقع داخل مناطق محمية طبيعيًا، وأن العديد منها أُنشئ بعد إعلان هذه المناطق كمحميات.
محاولات لإصلاح الصناعة
بعد كارثة برومادينيو، أطلقت مؤسسات استثمارية عالمية، بينها صندوق تقاعد كنيسة إنجلترا، مبادرات للضغط على شركات التعدين من أجل زيادة الشفافية وتحسين معايير إدارة مخلفات المناجم.
كما وضع المجلس الدولي للتعدين والمعادن (ICMM) معيارًا عالميًا يضم 77 بندًا لإدارة سدود المخلفات.
لكن الخبراء يشيرون إلى أن معظم شركات التعدين في العالم ليست أعضاء في هذا المجلس، ما يعني أن كثيرًا من السدود لا يلتزم بهذه المعايير.
تحذير من كوارث مستقبلية
كشف تحقيق رسمي في كارثة نهر كافو أن سد المخلفات لم يكن تحت إشراف مهندسين مؤهلين، كما ظهرت تشققات في الجدران وعدم ضغط كافٍ للتربة.
ويحذر الخبراء من أن كوارث مماثلة قد تتكرر في المستقبل إذا لم يتم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
وتختتم بيكر قائلة: “لا يوجد سبب مقنع لوجود سدود مخلفات التعدين داخل مناطق برية أو محميات طبيعية، لكن الصناعة تذهب حيثما توجد المعادن، بغض النظر عن البيئة.”
