زراعة الأشجار ليست حلاً مثاليًا دائمًا.. النباتات قد تزيد تلوث الأوزون

الأشجار تحمي المدن من الحرارة.. لكنها قد تزيد الأوزون في ظروف معينة

أصبحت زراعة الأشجار وزيادة المساحات الخضراء من أبرز الحلول التي تعتمد عليها المدن لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر الشديدة، لما توفره النباتات من قدرة على خفض حرارة الهواء وتوفير الظل وتحسين البيئة الحضرية.

لكن دراسة علمية جديدة كشفت أن التشجير الحضري قد يحمل تأثيرًا غير متوقع، إذ يمكن لبعض أنواع النباتات أن تزيد تعقيد مشكلة تلوث الأوزون، ما يفرض على المدن ضرورة تحقيق توازن بين الاستفادة من قدرة الأشجار على تبريد المناطق الحضرية والحفاظ على جودة الهواء.

وأجرى الدراسة فريق من الباحثين بقيادة البروفيسورين شين هوانج ومينج مينج لي من جامعة نانجينغ الصينية، بهدف فهم تأثير الغطاء النباتي الحضري على المخاطر المشتركة الناجمة عن الحرارة الشديدة وتلوث الأوزون في عدد من المدن الكبرى في نصف الكرة الشمالي.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية National Science Review.

الحرارة والأوزون.. خطران يتزامنان

الأوزون

تزداد موجات الحر تواترًا وشدة مع ارتفاع حرارة الكوكب، ولا تقتصر مخاطرها على ارتفاع درجات الحرارة فقط، إذ يمكن للحرارة الشديدة أن تسهم أيضًا في ارتفاع مستويات الأوزون القريب من سطح الأرض.

ويتكون الأوزون الأرضي، وهو أحد ملوثات الهواء الضارة بالجهاز التنفسي، نتيجة تفاعلات كيميائية تحدث بين ملوثات موجودة في الغلاف الجوي، من بينها أكاسيد النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة، تحت تأثير أشعة الشمس.

ومع تزايد موجات الحر في المدن، اتجهت الحكومات إلى الاعتماد على البنية التحتية الخضراء، مثل الأشجار والحدائق والأسطح الخضراء، باعتبارها وسيلة طبيعية للمساعدة في خفض درجات الحرارة.

إلا أن التأثير المشترك لهذه المساحات الخضراء على الحرارة وتلوث الأوزون ظل أقل وضوحًا، وهو ما حاول الباحثون دراسته بصورة أكثر تفصيلًا.

5 مناطق حضرية تحت الدراسة

اعتمد الباحثون على مجموعة من قياسات الرصد الأرضي وبيانات المناخ المعاد تحليلها، إلى جانب عمليات محاكاة متقدمة لدراسة التفاعل بين الظروف الجوية وكيمياء الغلاف الجوي.

وركزت الدراسة على خمس مناطق حضرية كبرى تعرضت لموجات حر قياسية خلال صيف عام 2022، شملت مناطق حضرية في كاليفورنيا، والساحل الأطلسي للولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، ودلتا نهر اليانجتسي في الصين، ومنطقة طوكيو والساحل المطل على المحيط الهادئ في اليابان.

وساعد هذا التنوع الجغرافي والمناخي الباحثين على مقارنة تأثير الغطاء النباتي في بيئات حضرية مختلفة، وتحديد الأنماط المشتركة بين هذه المناطق.

الأشجار تخفض حرارة المدن

الأشجار

أظهرت النتائج بوضوح الدور المهم للمساحات الخضراء في تخفيف حرارة المدن.

وتمكنت النباتات الحضرية من خفض متوسط درجات الحرارة اليومية العظمى خلال فصل الصيف بنحو 0.26 إلى 1.08 درجة مئوية في المناطق الخمس التي شملتها الدراسة، مع اختلاف مقدار الانخفاض وفقًا لكمية الغطاء النباتي والظروف المناخية لكل منطقة.

واللافت أن تأثير التبريد لم يكن محدودًا بالأيام العادية، بل أصبح أكثر وضوحًا خلال موجات الحر، عندما تكون المدن والسكان أكثر تعرضًا لمخاطر ارتفاع درجات الحرارة.

وبالتالي، يمكن للتشجير الحضري أن يقلل من مساحة المناطق شديدة الحرارة، كما يحد من عدد الأشخاص المعرضين لدرجات الحرارة القصوى خلال فترات الحر الشديد.

لماذا يمكن أن يؤثر التشجير على الأوزون؟

لكن تأثير الأشجار على تلوث الأوزون أكثر تعقيدًا من تأثيرها في درجات الحرارة.

فعندما تعمل النباتات على تبريد المناطق الحضرية، فإنها يمكن أن تغير حركة الهواء بالقرب من سطح الأرض، وهو ما قد يؤثر في قدرة الغلاف الجوي على خلط الملوثات ونقلها وتشتيتها.

وفي المناطق المركزية للمدن، حيث يمكن أن يكون تكوين الأوزون محدودًا بسبب توافر المركبات العضوية المتطايرة، قد يؤدي انخفاض حركة الهواء في بعض الظروف إلى الحد من إنتاج الأوزون.

لكن التأثير قد يختلف في المناطق المحيطة بالمدن والضواحي، حيث يمكن أن تكون الظروف الكيميائية والجوية مختلفة، وقد يؤدي تغير حركة الهواء إلى تأثيرات محدودة أو حتى زيادة في مستويات الأوزون في بعض الحالات.

كما أن تبريد المدن يمكن أن يضعف بعض أنماط دوران الهواء المرتبطة بظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية، وهي ظاهرة تجعل المناطق المبنية أكثر حرارة من المناطق المحيطة بها.

ويؤثر هذا التغير في حركة الهواء بدوره في كيفية انتقال الأوزون وتراكمه بين مراكز المدن والمناطق المحيطة بها.

النباتات نفسها قد تسهم في تكوين الأوزون

النباتات

لا يرتبط الأمر بحركة الهواء فقط، إذ إن النباتات نفسها يمكن أن تؤثر في كيمياء الغلاف الجوي.

وتطلق النباتات مركبات عضوية متطايرة حيوية تعرف باسم BVOCs، وهي مركبات طبيعية يمكن أن تدخل في تفاعلات كيميائية تسهم في تكوين الأوزون عندما تتوافر الظروف المناسبة، خصوصًا في وجود أكاسيد النيتروجين الناتجة عن حركة المرور والأنشطة الصناعية.

وعلى الرغم من أن إجمالي انبعاثات هذه المركبات من النباتات الموجودة داخل المدن يكون عادة أقل بكثير من الانبعاثات الناتجة عن الغابات الطبيعية، فإن وجودها في بيئة حضرية غنية بأكاسيد النيتروجين يمكن أن يمنحها تأثيرًا أكبر على كيمياء الأوزون المحلية.

وهنا تظهر المفارقة التي توصلت إليها الدراسة: فالمساحات الخضراء يمكن أن توفر فائدة واضحة في مواجهة الحرارة، لكنها قد تؤثر في مستويات الأوزون وفقًا لنوع النباتات والظروف الجوية وكيمياء الهواء في المنطقة.

هل يجب التوقف عن زراعة الأشجار؟

لا تعني نتائج الدراسة أن المدن يجب أن تتوقف عن زراعة الأشجار أو تقليص المساحات الخضراء.

بل تشير إلى ضرورة أن تصبح سياسات التشجير أكثر دقة، بحيث لا تقتصر عملية اختيار الأشجار والنباتات على قدرتها على توفير الظل وخفض الحرارة، وإنما تأخذ أيضًا في الاعتبار تأثيراتها المحتملة على جودة الهواء.

ويشير الباحثون إلى أهمية اختيار أنواع النباتات المناسبة، ودراسة الظروف المناخية المحلية، وفهم طبيعة حركة الهواء ومصادر الملوثات في كل مدينة قبل تحديد الأنواع التي سيتم زراعتها والأماكن المناسبة لها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر، إذ تحتاج المدن إلى حلول قادرة على التعامل مع أكثر من خطر بيئي في الوقت نفسه.

وبذلك، لا تتمثل القضية في الاختيار بين الأشجار وجودة الهواء، وإنما في تصميم تشجير حضري أكثر ذكاءً يحقق أقصى استفادة ممكنة من قدرة النباتات على تبريد المدن، مع تقليل احتمالات تفاقم مشكلة الأوزون.

Exit mobile version