زجاجات كوكاكولا وبيبسي تكشف مصدر أزمة البلاستيك على سواحل المحيط الهادئ
ثلاث شركات مسؤولة عن تلوث البلاستيك.. دراسة غير مسبوقة تتعقب نفايات الزجاجات على امتداد 12 ألف كيلومتر من السواحل
تتناثر الزجاجات البلاستيكية والأغطية على الشواطئ الممتدة على طول سواحل المحيط الهادئ في أمريكا اللاتينية، ومعظمها ليس مستوردًا بل محلي المنشأ.
وتعود غالبية هذه الزجاجات إلى ثلاث شركات كبرى في صناعة المشروبات: شركة كوكاكولا، ومجموعة Aje، وشركة بيبسيكو.
أكثر السواحل تضررًا تقع في منطقة أمريكا الوسطى، ويُعزى ذلك إلى الانتشار الواسع للزجاجات أحادية الاستخدام، وسوء البنية التحتية لإدارة النفايات، إضافة إلى تأثير التيارات البحرية التي تدفع بالنفايات نحو الشواطئ.
وفي المقابل، تتلقى الجزر مثل جالاباجوس ورافا نوي كميات أكبر من الزجاجات الآتية من آسيا، يُعتقد أنها أُلقيت في البحر وقطعت مسافات طويلة بفعل التيارات.

أثر الزجاجات يمتد على طول الساحل
تستند هذه النتائج إلى دراسة واسعة قادها باحثون من جامعة برشلونة، وشملت أكثر من 12 ألف كيلومتر من سواحل المحيط الهادئ، من المكسيك وحتى تشيلي. وتُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها على مستوى الإقليم، حيث قامت برسم خريطة لتلوث الزجاجات البلاستيكية في عشر دول لاتينية.
شملت الدراسة تحليلًا لــ92 شاطئًا قاريًا، و15 شاطئًا جزيريًا، و38 مجتمعًا ساحليًا. وتم تنفيذها بمشاركة أكثر من ألف متطوع و200 قائد محلي بين عامي 2023 و2024، ما يجعلها مثالًا رائدًا على “علم المواطن” في خدمة البيئة.
نُشرت الدراسة كاملة في دورية Journal of Cleaner Production.
وأظهرت البيانات نمطًا واضحًا؛ إذ تركز وجود الزجاجات في المناطق الحضرية الساحلية، بينما عُثر على الزجاجات الأقدم عمرًا في الجزر، بعضها يعود إلى أكثر من عقدين. من أبرز العينات القديمة: زجاجة “باوريد” من عام 2001 عُثر عليها في بيرو، وزجاجة “كوكاكولا” من عام 2002 على جزيرة تابعة لتشيلي.

ما تكشفه ملصقات الزجاجات
اعتمد العلماء على الملصقات والنقوش الموجودة على الزجاجات والأغطية لتحديد بلد المنشأ، وتاريخ الإنتاج، وهوية الشركة المصنعة.
يقول البروفيسور ميكيل كانالس من قسم ديناميكيات الأرض والمحيطات بجامعة برشلونة:
“إلى جانب القيمة الكبرى لعلم المواطن، تميز هذا العمل بالاستخدام الذكي للمعلومات المدوّنة على الزجاجات لتحديد الشركة المُصنّعة، وتاريخ ومكان الإنتاج، وغير ذلك من المعلومات الحيوية، مما مكننا من تتبع مصادر التلوث ومسار انتقال النفايات حتى وصولها إلى مواقع جمعها.”
من أين جاءت الزجاجات؟
أظهرت النتائج أن 59% من الزجاجات تم إنتاجها في دول أمريكا اللاتينية المطلة على المحيط الهادئ، وكانت معظمها زجاجات مياه ومشروبات غازية ومشروبات طاقة – وجميعها تقريبًا أحادية الاستخدام وصغيرة الحجم.
في الشواطئ الحضرية، وُجدت 54.9% من الزجاجات بدون أغطية، في حين أن 73.4% من الزجاجات على الجزر كانت لا تزال تحتفظ بأغطيتها.
تمكن الباحثون من تحديد 356 علامة تجارية تعود إلى 253 شركة مختلفة، وكانت الشركات الثلاث الكبرى – كوكاكولا، Aje، وبيبسيكو – الأكثر ظهورًا.

أنماط جغرافية في منشأ التلوث
رغم أن غالبية الزجاجات كانت محلية المنشأ، فقد تم رصد نسبة صغيرة جاءت من آسيا (1.8%)، وأمريكا الشمالية (0.3%)، وأوروبا (0.04%). ولم يتمكن الباحثون من تحديد منشأ 39% من العينات.
في دول مثل المكسيك وجواتيمالا وكولومبيا والإكوادور وبيرو وتشيلي، جاءت معظم الزجاجات من نفس الدولة. أما في دول أمريكا الوسطى – مثل السلفادور ونيكاراغوا وكوستاريكا وبنما – فكانت نسبة الزجاجات المستوردة أعلى، وتفوقت على تلك المحلية.
وتحوّلت بنما إلى بؤرة تنوع لزجاجات النفايات، حيث وُجدت عينات من ست مناطق مختلفة على الأقل.
أما في الجزر، فالوضع يختلف؛ إذ إن 42.4% فقط من الزجاجات كانت من أمريكا اللاتينية، بينما جاء جزء كبير منها من آسيا.
عندما يتحول البلاستيك إلى موطن
لم تكتف الزجاجات البلاستيكية بالتجوال في البحر، بل أصبحت أيضًا مأوى مؤقتًا لكائنات بحرية دقيقة تُعرف باسم “الإبيبيونتس”، والتي تم العثور عليها على نحو 9% من الزجاجات.
وظهرت هذه الكائنات غالبًا على الشواطئ القارية في أمريكا الوسطى، مما يدعم فرضية أن بعض النفايات وصلت عبر التيارات البحرية بعد أن طافت لسنوات في عرض البحر.

الدعوة إلى سياسات بيئية صارمة
يؤكد الباحث الرئيسي في الدراسة، أوستين غارثيس-أوردونييث، من جامعة لا جواخيرا:
“تشير النتائج إلى نمط مكاني في أعمار الزجاجات: الأحدث توجد في المناطق السكنية، بينما الأقدم في الجزر، مما يعكس تباين مصادر التلوث.”
وشددت الدراسة على أن معالجة هذه الأزمة تتطلب ما هو أكثر من مجرد تنظيف الشواطئ، داعية إلى تحسين إدارة النفايات المحلية، وزيادة الضغط على الشركات لاعتماد عبوات قابلة لإعادة الاستخدام.
وخلص الباحثون إلى أن المرحلة المقبلة ستشمل تحليل تأثير المواسم المناخية، ومصبات الأنهار، والنشاط السياحي على ديناميكيات التلوث. كما اقترحوا دمج النمذجة المحيطية لتتبع مسارات انتقال الزجاجات وتحديد مصادر التلوث البعيدة.






