رومانيا تحقق إنجازًا عالميًا.. أكبر نظام لإعادة إيداع العبوات في العالم.. عبوات تُحوّل إلى نقود
نظام إعادة الإيداع الروماني.. قصة نجاح بيئي واقتصادي..من الفوضى إلى 94%
في قرية بيانو دي جوس الواقعة في قلب ترانسيلفانيا، تتجول دانا شيتوتشيسكو، البالغة من العمر 51 عامًا، أسبوعيًا حاملةً كيسًا مليئًا بزجاجات PET الفارغة، وعلب الألمنيوم، والعبوات الزجاجية، متوجهةً إلى متجرها المحلي لتسليمها ضمن نظام إعادة الإيداع الوطني.
مثل ملايين الرومانيين في المدن والريف، أصبح هذا النظام، الذي أُطلق قبل عامين فقط، جزءًا لا يتجزأ من روتين حياتهم اليومية.
الفكرة بسيطة وفعّالة: عند شراء المشروبات الغازية أو الكحولية، يدفع المستهلك 0.50 ليو روماني (حوالي 0.09 جنيه إسترليني) لكل عبوة، ويسترد المبلغ عند إعادة العبوة نظيفة وبشكلها الأصلي إلى نقطة التجميع، عادةً نفس المتجر الذي تم فيه الشراء.
تجعل هذه العملية شيتوتشيسكو تكسب حوالي 40 ليو أسبوعيًا، ما يكفي لتغطية طعام قططها السبعة، “إنه نظام رائع، الجميع في قريتنا يشارك فيه، ودائمًا ما يكون هناك طابور أمام المتجر”، تقول وهي تبتسم.
هذا النشاط اليومي ليس مجرد وسيلة لكسب المال الإضافي؛ إنه جزء من تحول وطني شامل في رومانيا، التي كانت حتى وقت قريب تُعد من أقل الدول الأوروبية في معدلات إعادة التدوير.

نجاحًا مذهلًا
إلا أن المؤشرات الحديثة تظهر نجاحًا مذهلًا: منذ إطلاق النظام في نوفمبر 2023 وحتى سبتمبر 2025، وصل معدل جمع وإعادة تدوير عبوات المشروبات إلى 94% في بعض الأشهر.
جيمّا ويب، الرئيس التنفيذي لشركة RetuRO، المسؤولة عن إدارة النظام بالشراكة مع الدولة ومصنّعي العبوات، تصف الإنجاز بأنه “قصة من الصفر إلى القمة. المنتجات نظيفة، والتلوث منخفض، وسهلة إعادة التدوير، ولدينا تتبع كامل لكل عبوة تُطرح في السوق.”
في الفترة نفسها، أعاد الرومانيون نحو 7.5 مليار عبوة، شملت 4 مليارات زجاجة PET، و2 مليار علبة معدنية، و1.5 مليار عبوة زجاجية، وجُمعت أكثر من 500 ألف طن من المواد عالية الجودة القابلة لإعادة التدوير، ما يجعل هذا النظام الأكبر من نوعه على مستوى العالم.

تقنيات حديثة للبرمجيات وأدوات تتبع دقيقة
الإنجاز يصبح أكثر بروزًا عند النظر إلى تاريخ رومانيا: بين 2011 و2021، لم تتجاوز معدلات إعادة التدوير البلدية 11–14%، وكانت نسبة استخدام المواد المعاد تدويرها في الاقتصاد الوطني لا تتعدى 1%.
وبدأت الحكومة مناقشات النظام منذ 2018، ثم باشرت شركة RetuRO العمل في 2022، قبل أن يُطلق النظام على نطاق واسع في أواخر 2023، مع بناء تسع مراكز للعد والفرز في مختلف أنحاء البلاد، “إننا اليوم ندير واحدة من أكبر وأكثر الشبكات اللوجستية تعقيدًا في رومانيا”، تقول ويب.
ميزة البدء المتأخر، بحسب خبراء البيئة، كانت في صالح رومانيا، إذ سمحت باستخدام تقنيات حديثة للبرمجيات وأدوات تتبع دقيقة، بعيدًا عن البيروقراطية والأنظمة القديمة التي تعيق التحسين في دول أخرى.

رقصة الهورا التقليدية
يعتمد النظام على نموذج إعادة الإيداع إلى التجزئة: على المتاجر التي تبيع المنتجات تثبيت آلات عكسية لتجميع العبوات أو معالجة العبوات يدويًا، مع وجود حوافز مالية لتغطية تكاليف المعالجة.
كما تُعاد جميع الأرباح إلى تطوير العمليات، ما يضمن استدامة النظام.
حملة وطنية للإعلان عن النظام استخدمت رقصة الهورا التقليدية، حيث يمسك الناس بأيدي بعضهم ويرقصون في دائرة، رمزًا للمسؤولية الجماعية. وأظهرت دراسة حديثة أن 90% من الرومانيين جربوا النظام مرة واحدة على الأقل، فيما يعيد 60% العبوات بانتظام.
تجارب دول أخرى في أوروبا
النجاح الروماني جذب انتباه دول أخرى، مثل بولندا وتركيا وبلغاريا ومولدوفا وصربيا، التي تسعى لاكتساب الخبرة قبل إطلاق أنظمة مشابهة.
كما أصدرت الحكومة إطارًا قانونيًا صارمًا، يتيح فرض غرامات على المتاجر التي ترفض استرجاع العبوات، حتى أصغر المحلات ملزمة بالمشاركة.
رغم التقدير الواسع للنظام، تحذر الجهات البيئية من أن عبوات المشروبات تمثل نحو 5% فقط من إجمالي النفايات الوطنية، وأن معدل إعادة التدوير الإجمالي في 2024 لم يتجاوز 12%.

وفقًا لإلينا راستي، من منظمة Zero Waste Romania، فإن التركيز يجب أن يكون على إعادة الاستخدام: “جمع النفايات يحل مشكلة النفايات المرئية، لكن إعادة الاستخدام تغيّر طبيعتها.
الزجاجة القابلة لإعادة الاستخدام يمكن أن تحل محل 20 إلى 50 عبوة أحادية، وتقلل الانبعاثات الكربونية، وتدعم اقتصادًا دائريًا حقيقيًا.”
بالنسبة لشيتوتشيسكو، النجاح يُقاس بما لا تُرى: شوارع القرية أصبحت خالية من القمامة، والعبوات لم تعد تُجرف في الجداول عند هطول الأمطار، والأخ الأكبر الذي يعيش في إسبانيا يشعر بالغيرة من هذا الإنجاز البيئي والاجتماعي.
“هو محق في الغيرة، فهذا النظام مفيد لنا وللبيئة على حد سواء”، تقول دانا مبتسمة.





