د.رفعت جبر: هل يقود ترامب ونتنياهو الغرب نحو الانهيار أمام صعود الصين؟

عضو لجنة الثقافة العلمية والتفكير الابتكاري والذكاء الاصطناعي بالمجلس الأعلي للثقافة

بين الفوضى والاستثمار في العقول.. معركة القرن على قيادة العالم

يعيش العالم اليوم مخاض ولادة نظام دولي جديد، حيث لم يعد الصراع مجرد أرقام في البورصة، بل أصبح صداماً بين فلسفتين: فلسفة “الأنا والمكاسب الضيقة” التي يمثلها تيار ترامب وحلفاؤه، وفلسفة “النفس الطويل والاستثمار في العقول” التي تنتهجها الصين وتتطلع إليها قوى إقليمية صاعدة.

أولاً: تصدعات القمة.. أمريكا تحترق بـ “نيران صديقة”

تتصاعد التحذيرات من داخل وخارج الولايات المتحدة، من رؤساء، وسيناتورات، وقادة فكر، مفادها أن الرئيس ترامب ينتهج سياسة “تأميم” مقدرات الدولة لصالح دائرته الضيقة، مما يهدد بسقوط الإمبراطورية من الداخل:

• تفكيك قلاع العلم: بدلًا من البناء على مؤسسية تخطي عمرها 200 عام، نرى توجهًا لتقليص ميزانيات البحث العلمي والتضييق على الجامعات المرموقة (مثل هارفارد)، مما أدى لخسارة 12.5 مليار دولار سنويًا بسبب هروب العقول والباحثين، وهو النزيف الذي بدأ يغذي مختبرات الشرق بدلاً من سيليكون فالي.

• هوس “اللقطة” وفضائح الظل: الانشغال بملفات شائكة (مثل ملف إبستين) والمزايدات السياسية، جعل السياسة الأمريكية تبدو كأنها “عرض واقع” يفقدها هيبتها الدولية ومصداقيتها أمام الحلفاء.

ثانيًا: أوروبا “الحلقة التائهة”.. الهروب نحو الشرق

وسط هذا التخبط الأمريكي، تجد أوروبا نفسها في مأزق تاريخي؛ فهي لم تعد تحتمل ضغوط ترامب الاقتصادية وابتزازه العسكري تحت شعار “أمريكا أولاً”.

• البحث عن بديل: بدأت القارة العجوز تشهد تحولًا دراماتيكيًا، حيث تزايدت وتيرة تقاربها مع بكين لتأمين سلاسل التوريد، وبدأت تنظر بجدية نحو “المربع الذهبي” كشريك طاقة ومناخ موثوق بعيدًا عن تقلبات واشنطن.

هذا “الطلاق الصامت” بين ضفتي الأطلسي يعزز من عزلة واشنطن الدولية ويمنح الصين وروسيا والمربع الذهبي الصاعد شرعية جيوسياسية غير مسبوقة.

ثالثًا: “روشتة” التنين.. الابتسامة التي تسبق العاصفة

في المقابل، تتبع الصين نصيحة الاستراتيجيين: “لا تقاطع عدوك وهو يدمر نفسه”، لقد استثمرت بكين في “المادة الرمادية” عبر خطة الثلاثين عاماً:

• السيادة التكنولوجية: بميزانية بحث بلغت 569 مليار دولار، تحولت الصين من “مصنع رخيص” إلى “مختبر عالمي” يقود الذكاء الاصطناعي بآلاف الشركات المتخصصة.

• طريق الحرير الرقمي: ربطت اقتصاد 70 دولة بتكنولوجيتها، محققةً استقلالاً جعلها “بعبع” العالم بلا منازع.

رابعًا: جنون الجغرافيا.. تحالف (ترامب-نتنياهو) وخنق الممرات

تنتقل الفوضى من السياسة إلى الميدان عبر سيناريوهات توسعية تهدف للسيطرة على منابع الطاقة في واقع عام 2026:

• الكمّاشة العسكرية: السعي لاحتلال جنوب لبنان يتزامن مع رغبة ترامب في السيطرة العسكرية على جزيرة “خرج” الإيرانية للتحكم في مواردها وملاحة باب المندب.

• انفجار “جيوب المواطنين”: أدت هذه المغامرات لقفزة تاريخية في أسعار الطاقة، مما فجر غلياناً شعبياً داخل أمريكا وأوروبا على حد سواء، حيث بلغت مظاهرات المطالبة بتنحي ترامب ذروتها، مما يعكس انقساماً يهدد بانهيار “الأنا” السياسية أمام ضغط الشارع.

خامسًا: “المربع الذهبي”.. هل يولد القطب الثالث؟

يبرز نموذج (مصر، السعودية، تركيا، باكستان) كقوة مرشحة لتبني “فكر الصين”، ولتحويل هذا الاتحاد لواقع، تبرز ضرورة:

• الآلية الاقتصادية: تدشين “نظام مالي بيني” أو “عملة رقمية مشتركة” للتحرر من هيمنة الدولار التي يستخدمها ترامب كأداة ضغط، مما يمنح المربع استقلالًا سياسيًا واقتصاديًا كاملًا.

• تكامل المقومات: يجمع المربع بين الطاقة والمال (السعودية)، الموقع الاستراتيجي (مصر)، القاعدة الصناعية (تركيا)، والردع النووي (باكستان).

• تحدي الإرادة: يعتمد نجاح هذا القطب على تجاوز الخلافات البينية وتغليب المصالح العليا، ليكون الرهان الحقيقي لإنهاء عصر الهيمنة الأحادية.

الرؤية الختامية: خريطة العالم في 2026

إن التاريخ يكتبه الصابرون وأصحاب معاول البناء والقيم والعلم لا أصحاب المصالح الوقتية ومعاول الهدم والتدمير.

بينما يسعى التحالف المندفع (ترامب-نتنياهو) لإعادة رسم الجغرافيا بالحديد والنار والمقامرة بممرات الطاقة، تكتفي الصين بالابتسام وهي ترى “الجهل” يفكك إمبراطورية القرنين.

السيطرة على “الجغرافيا” قد تنجح مؤقتاً، لكن خسارة “العقول” و”الشرعية الشعبية” وانفضاض الحليف الأوروبي هي الرصاصة التي تنهي الإمبراطوريات دائماً.

ليبقى الأمل معلقاً على “المربع الذهبي” ليقود المنطقة نحو استقلال حقيقي يعيد إحياء الحضارة بالعلم، لا بالتبعية.

Exit mobile version