التقط رائد فضاء يدور على متن محطة الفضاء الدولية فوق المحيط الهندي صورة مدهشة للقمر وما يُعرف علميًا باسم «الهالة القمرية».
ويبدو القوس الرفيع من الضوء الذي يحتضن القمر وكأنه منفصل عن الأرض، معلقًا فوق حافتها الزرقاء، وهو مشهد فريد أتاحه موقع المحطة الفضائية على ارتفاع شاهق فوق أنظمة الطقس.
لا يعود هذا المشهد إلى السحر، بل إلى ظاهرة بصرية خالصة تشكلها طبقات الهواء وبلورات الجليد حيث يترقق الغلاف الجوي بشكل كبير. فمن ذلك الارتفاع، كان القمر يقع خلف الغلاف الجوي مباشرة على خط رؤية رائد الفضاء، ما أظهر كيف ينحني ضوء القمر ويتشتت أثناء مروره عبر بلورات جليدية دقيقة.
رصد الهالة القمرية
أُنجز هذا العمل ضمن برنامج «ملاحظات الأرض من طاقم محطة الفضاء الدولية» التابع لمركز جونسون الفضائي التابع لوكالة ناسا. ويهتم البرنامج بتوثيق الأرض وغلافها الجوي واليابسة والمياه والضوء من خلال صور يلتقطها رواد الفضاء لأغراض علمية وتثقيفية.
وتدور محطة الفضاء الدولية في مدار أرضي منخفض على ارتفاع يزيد قليلًا على 200 ميل بحري، ما يسمح لها بالتحليق فوق معظم السحب. وفي بعض الأحيان، يضع هذا الموقع القمر خلف الغلاف الجوي مباشرة، فيتحول الهواء إلى عدسة تعيد تشكيل توهجه أمام الكاميرا.

وتظهر طبقات الأفق في الصورة متدرجة بوضوح: طبقة التروبوسفير المتوهجة باللون البرتقالي، تعلوها طبقة الستراتوسفير ذات اللون الأبيض الباهت، ثم طبقة علوية زرقاء داكنة. أما الميزوسفير، وهي طبقة شديدة البرودة تمتد على ارتفاع يتراوح بين 30 و54 ميلًا، فقد تحتوي أحيانًا على الجليد النادر الذي يكمل هذا اللغز البصري.
كيف تتكون الهالة القمرية
عندما يمر ضوء القمر عبر بلورات الجليد، ينكسر داخلها ويتغير اتجاهه، مع انفصال طفيف للألوان، ما يؤدي إلى تكوّن أقواس أو حلقات ضوئية. وتُعرَّف الهالة بأنها حلقة من الضوء تتشكل حول الشمس أو القمر نتيجة انكسار الضوء في بلورات الجليد الموجودة في سحب رقيقة عالية الارتفاع.
ويشير التعريف العلمي الشائع إلى حلقة تمتد بزاوية تقارب 22 درجة حول القمر، مع منطقة أكثر ظلمة داخل الدائرة. ويحدد انكسار الضوء، أي انحناؤه عند انتقاله بين وسطين مختلفين، هذا نصف القطر المميز لأشكال البلورات الجليدية الشائعة.
وتُظهر صورة رائد الفضاء قوسًا فقط، لأن طبقة الجليد لم تكن تحيط بالقمر بالكامل من زاوية الرؤية تلك. كما أن التغيرات الطفيفة في اتجاه البلورات عند الزوايا الحادة قد تقطع الحلقة إلى منحنى مضيء رقيق. وتلعب هندسة البلورات دورًا بالغ الأهمية، إذ تنحرف الصفائح والأعمدة السداسية الضوء بطرق مختلفة.

جليد نادر في أعلى الغلاف الجوي
يمكن لبخار الماء أن يرتفع إلى طبقات عليا جدًا، حيث يلتقي بجزيئات غبار ويتجمد ليشكل بلورات جليدية مجهرية فوق السحب المعتادة. وتشير أبحاث حديثة إلى أن هذه الطبقات الجليدية العالية، وهي الأعلى في الغلاف الجوي للأرض، تزدهر في أكثر مناطق الصيف برودة على ارتفاع يقارب 50 ميلًا.
ويجعل هذا الارتفاع تلك البلورات شديدة الحساسية للتغيرات الطفيفة في درجات الحرارة والحركات الرأسية للهواء. كما يمكن لموجات الجاذبية، وهي تموجات تنتقل صعودًا في كثافة الهواء نتيجة العواصف والتضاريس، أن تخلق بنى دقيقة تظهر وتختفي مع تغير مسار المدار.
وقد كشفت سنوات من رصد الأقمار الصناعية عن سلوكيات متغيرة لهذه السحب الليلية المضيئة وعلاقتها الوثيقة بالطبقات الأدنى من الغلاف الجوي. وأوضح الدكتور جيمس راسل الثالث، الباحث الرئيسي في مهمة «AIM» التابعة لناسا بجامعة هامبتون، أن هذه النتائج غيّرت الفهم السابق لآلية تشكل هذه الظواهر وتغيرها.
لماذا بدا القمر مكتملًا
خلال مرور المحطة، كان القمر في طور التربيع المتزايد، إلا أن إعدادات التعريض في الكاميرا أضاءت كامل قرصه ووسعت البقع الساطعة على حافته. وجعل ذلك الهلال يبدو أقرب إلى الشكل الدائري، بينما ظل الطرف المضاء بنور الشمس واضحًا وحادًا.
كما عززت فترات التعريض الأطول الوهج الخافت الناتج عن ضوء الأرض المنعكس على الجانب المظلم من القمر، وهي ظاهرة تُعرف باسم «ضياء الأرض»، ما أضفى نعومة على القرص وزاد الإحساس بامتلائه.
دروس من الهالة القمرية
تلتقط الصور المأخوذة من المدار الأرضي لحظات اصطفاف عابرة قد تفوت على أجهزة الاستشعار الآلية، كما تحمل منظورًا إنسانيًا فريدًا. وتربط كل صورة بين الفيزياء النظرية والسماء الحقيقية، محولة قوسًا من الضوء إلى دليل على الجليد والحركة في الهواء الرقيق.
وتبدو هذه الصورة كأنها ملاحظة ميدانية من حافة الفضاء، حيث تلتقي البصريات بالطقس والكيمياء. فالهالة القمرية الجزئية المعلقة فوق حافة الأرض تتيح لنا مشاهدة الفيزياء تعمل على نطاق كوكبي من دون مغادرة ارتفاع يبلغ نحو 200 ميل.





