وجهات نظر

د.عاطف معتمد: قراءة في التحولات الجيوسياسية.. صراع النفوذ في الشرق الأوسط

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

هذا ما أفهمه حتى الآن!

🔘 الولايات المتحدة تريد التفرغ للصراع مع الصين في المحيط الهادئ، وتريد أن تترك الشرق الأوسط لإسرائيل لتكون وكيلا مستقلا يهيمن على المنطقة عسكريا، دون معاكسة من إيران أو من يعمل تحت إمرتها.

🔘 والصين تعرف ذلك جيدا، وتستعد له، ولكن الصين في الشرق الأوسط لم تغادر المنهج المسمى Low Profile بمعنى عدم الاستعراض والعمل بصمت وقوة استعداد للمعارك الأكبر المنتظرة في المستقبل الوعر الخطر في المحيط الهادئ.

🔘 روسيا متخمة ومجهدة وقانعة وزاهدة:

متخمة بما حققت من مكاسب في أوكرانيا،ومجهدة مستنزفة من خسائرها البشرية والعسكرية كي تحقق ذاك النصر،
وقانعة بما حصلت عليه في اتفاق غير معلن مع ترامب بأن تصبح “سيدة البحر الأسود” الذي يخرجها إلى المياه المفتوحة،
وزاهدة في الشرق الأوسط لأن هذا الإقليم الشائك يحتاج قوة بحجم الاتحاد السوفيتي، قوة عظمى عالمية ذات رسالة أيديولوجية، لا قوة إقليمية كالتي تعيشها روسيا حاليا: خالية من الرسالة منزوعة دسم الحضور العالمي الفكري والعقائدي والتكتيكي.

🔘 خروج روسيا من الشرق الأوسط أقرب إلى أن يكون خروجا تاريخيا، أي أنه حدث تاريخي غير مسبوق، ولن تستطيع روسيا العودة للإقليم مرة أخرى لنصف قرن ما لم تحدث معجزات جيوسياسية في المستقبل غير المنظور.

🔘 إيران نفذت – بحماقة شرقية نموذجية – المخطط الأمريكي بحذافيره، فبعد الغزو الأنجلو أميركي للعراق، وإسقاط صدام حسين – الذي ارتكب خطيئة غزو الكويت وشرخ العالم العربي – فتحت القوى الغربية الأبواب أمام إيران لتظن أنها ستعيد مجدها الفارسي القديم. كان بوسع الحلفاء الغربيين وإسرائيل إيقافها لكنهم فتحوا لها الأبواب لتسهم في تدمير العراق وسوريا، أي أن تقوم بمهام خطيرة نيابة عنهم. وبعد ذلك أصبح الباب مفتوحا للقضاء على إيران وهي محاصرة من كل حدب وصوب.

🔘 لا ينسى الغرب أن إيران هي الدولة الوحيدة التي نافست العالم الأوروبي رأسا برأس في عصور ما قبل الميلاد، وقامت بغزو أوروبا (اليونان) وليس هذا بأمر ينسى في تاريخ أمة لديها ماض عتيد من الطموح التوسعي بالإمبراطورية. وليست المشكلة مع المشرق العربي في أن إيران شيعية، المذهب الشيعي هو مجرد أيديولوجية وواجهة للتميز عن بقية دول الجوار العربي، رغبة في الحفاظ على العلو والتميز الفارسي مقارنة بالشعوب التي كانت – في عين فارس – مجرد قبائل هائمة في الصحراء.

🔘 سيكتب التاريخ إن إيران هي الدولة الإسلامية الوحيدة في الشرق الأوسط التي ضربت وحاربت واشتبكت بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين مع الغرب وإسرائيل. صحيح أنها متأخرة عن العدو الأكثر تسليحا وتقدما، لكنها أول من ضرب إسرائيل في القلب وفي الداخل وليس في الأراضي العربية المحتلة…بغض النظر عن أن هذه الضربات كانت في بعض الأوقات تحذيرية أو في أوقات أخرى انتحارية.

🔘 في صراع الشرق الأوسط مع الغرب الاستعماري: يبدو الخطر في المعارك الحالية في ظاهره فارقا تكنولوجيا، لكن في الحقيقة هذا أقل الأضرار خطرا، فمن المعروف عبر التاريخ أن التكنولوجيا انتقلت دوما من الأقوى إلى الأضعف بمرور الزمن، وبعض الذين تعرضوا للاستعمار تحرروا بسلاح المستعمِر. الخطر الأكبر هو خطر عقائدي، وليس المقصود هنا ديني، خطر عقائدي بمعنى إيقاع هزيمة نهائية لشعوب الشرق الأوسط من خلال تدمير الحالة النفسية للمواطن العربي والإسلامي، وإقناعه أنه محل تركيع وإذلال وهزيمة وأنه دوما مفعول به أو في أفضل الأحوال مهادن ومتحالف مع الوافد الأجنبي من لصوص وقطاع طرق العصر الحديث.

🔘 المعارك في الداخل العربي كثيرة وتسبق المعارك النارية في الجو والبر، لدينا معارك في كل بلد عربي إذا ربحناها يمكن أن نمهد الطريق لجبر فجوة التكنولوجيا الحربية، معارك في التعليم والثقافة والصحة والآداب العامة والقانون ومنع الفساد وإقرار دولة الحريات وفتح الآفاق أمام التفكير والإبداع والانتماء.

🔘 وحتى نختم بالانتماء، لعلنا ننتبه إلى مخاطر تشظي الهويات في الوطن الواحد، وهجمات التفسخ على المجتمع جراء تساقط القيم وضحالة الثقافة والتعليم، ولم ينج أحد منا من هذه المشكلات: من الرجل العادي إلى أستاذ الجامعة.

🔘 مرة أخرى: الفارق التكنولوجي يمكن جبره ..كما حدث في كل مراحل التاريخ…المهم ألا تنهزم الشعوب نفسيا وأن تنتبه الحكومات إلى بناء الإنسان والعمل على أخطر ملفاته: التعليم والعلم والثقافة، وهي لا تقل أهمية عن تأمين الحدود والأمن المجتمعي.

نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشحصية على فيس بوك

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading