وجهات نظر

د.عاطف معتمد: سجل سقوط القدس

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

بترجمة سلسة رشيقة، قدم الأستاذ محمد علي ثابت كتابا جديدا عنوانه “سجل سقوط القدس” للمراسل الحربي البريطاني “وليام توماس ماسي” الذي نقل وقائع الحرب العالمية الأولى في شمال سيناء.

العنوان الأصلي للكتاب “كيف ربحنا القدس” وهذا بدهي لأن المؤلف إنجليزي يشير إلى انتزاع السيطرة على القدس من فلسطين تحت حكم تركيا العثمانية لتخضع للسيطرة البريطانية وتمهد لقلب النظام الإقليمي كله في مطلع القرن العشرين.

يستهل الكتاب رحلته بعرض وضع بريطانيا في مصر وقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، في ظل غياب اللورد كتشنر ذي القبضة القوية الحاكمة عن المشهد الداخلي المصري. وكذلك في ظل دخول عدد كبير من الجواسيس الألمان لمصر بغرض تأليب المصريين على بريطانيا.

يستعرض المؤلف وضع الجبهة الداخلية المصرية من أحزاب وجماعات شعبية وطبقية، وظهور الشعور المناهض لبريطانيا بشكل متزايد، ووقوع بعض الحوادث بين الطرفين نتيجة لذلك.

وارتباط هذا التصعيد الشعبي بوصول أخبار عن النجاحات التي تحققها القوات الألمانية على الجبهة الغربية.

يهون المؤلف من دور الأفندية في مقاومة بريطانيا فيقول “الأفندية يزمجرون ولا يثورون”.

يتطرق الكتاب إلى دخول تركيا الحرب لصالح ألمانيا، والضرورة التي حتمت تأمين قناة السويس كشريان رئيسي للإمبراطورية البريطانية، ويقدم وصفاً للجبهة التي ستعمل عليها حملة سيناء وفلسطين بداية من قناة السويس.

وعمليات توصيل المياه العذبة الصالحة للشرب للقوات البريطانية ومدى حجم المشقة والجهد الذي جرى بذله واستلزمه ذلك الأمر.

يتناول المؤلف أيضا وصول الأتراك إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، وقيام تلك القوات بقيادة جمال باشا والضباط الألمان بالهجوم على القناة ومحاولة عبورها بالقوة لقطع خطوط اتصال القوات البريطانية بين بورسعيد والإسماعيلية والسويس والقاهرة.

وقطع المياه العذبة عن الجيش البريطاني، وكيف واجه البريطانيون تلك المحاولات وأفشلوها.

يأخذنا الكتاب لعدة معارك صغيرة واشتباكات وقعت بين القوات البريطانية والتركية قرب القناة.

ومحاولات الأتراك المتكررة لتلغيم القناة وإيقاف الملاحة فيها.

في الفصل الرابع نشهد كيف أصبحت قناة السويس هي التي كانت تدافع عن القوات البريطانية الموجودة في مصر وليس العكس، فالصحراء لم تكن عائقاً أمام القوة التركية التي تمكنت من عبورها بسهولة، لكنها وقفت عاجزة عند ضفة القناة عندما تضافرت القوة البريطانية المقاومة مع المانع المائي.

وبينما كانت القوات البريطاني من جانب آخر تعاني من قيظ الصحراء ونقص الذخائر، كانت السفن من كافة الأنواع والأحجام تستميت لعبور البحار والدخول إلى قناة السويس لإمداد تلك القوات وخاصة القوات الموجودة في بلاد الرافدين.

ومن خلال سرد دقيق يتناول الكتاب أهمية قناة السويس في إنجاح عمليات وحملات الجيوش البريطانية في العراق والمنطقة.

وبعد فشل حملة جاليبولي في تركيا؛ نزلت كل تلك القوات إلى مصر للمشاركة في حملة سيناء وفلسطين.

مشاهد تفصيلية أيضا عن عمليات الحفر اليدوي المستمرة يومياً والتي قام بها العمال المصريين بكل جدارة؛ مقارنة بضعف وعدم قدرة الجنود البريطانيين على القيام بهذه المهام الشاقة في الصحراء.

في ثنايا كل الكتاب نقف على التنوع الكبير في تشكيلة قوات حملة سيناء وفلسطين والجيش البريطاني عموماً.

تشكيلة تتألف من أعراق وجنسيات عديدة من أنحاء الإمبراطورية البريطاني وخاصة من الهند وشرق آسيا وأستراليا ونيوزيلندا.

كما يقارن بين إمكانيات العربات والقطارات في الصحراء، والعمليات الضخمة المتواصلة لإنشاء وتشييد خطوط السكك الحديدية، ومدى نجاح رجال السكك الحديدية المصرية في تشييد وتسيير خطوط قطارات الجيش.

من أهم الأدوار هنا الدور الذي لعبه “فيلق العمال المصريين” والذي يقول المؤلف إنه كان الأفضل من بين العاملين من كل أنحاء العالم في ظروف الصحراء الحارقة وتحت وابل القصف المباشر المتواصل على مدار الساعة، والضحايا الكثيرين من العمال المصريين الذين سقطوا بسبب ذلك.

وكان نقل مياه النيل لتزويد القوات طوال الحملة بالمياه الصالحة للشرب هو تحدي هائل واستثنائي، قامت به العربات والقطارات والجمال والدواب المختلفة.

في شمال سيناء كانت معركة رمانة هي الأهم في سلسلة المعارك الكبرى التي دارت رحاها على الأراضي المصرية خلال حملة سيناء.

وكان جيش تركي ضخم قد تمكن من قهر الصحراء القاحلة في طي الكتمان والسرية الشديدة وجهل القوات البريطانية التام بوجوده، ناقلاً معه أسلحة ثقيلة ومعدات ضخمة.

ووقعت المعركة التي يقول عنها أنها قضت على حلم قيصر ألمانيا وقتها في قطع شرايين الإمبراطورية البريطانية واستنزاف دماؤها وقواها.

ويتناول المؤلف بالتفصيل الدقيق مجريات وأحداث تلك المعركة الهامة وغيرها من الوقائع.

بعد معركة رمانة وتقدم القوات تجاه العريش؛ يروي المؤلف قيام الجيش البريطاني بتدمير تحصيناته ومواقعه التي يهجرها بعد انتهاء الحاجة إليها، رغم كم العمل الضخم الذي بُذل فيها والتكلفة الكبيرة التي تكبدها في إنشاءها من قبل.

في الطريق لاحتلال العريش نتابع الطرائف والحوادث والأخبار التي عاينها المراسل الحربي، أو نقلها عن سكان المنطقة أو عن الجنود والضباط مختلفي الجنسيات.

ويخصص المؤلف الفصل الثالث عشر لمعركة رفح، وهي المعركة التي أتمت سيطرة الجيش البريطاني على كامل سيناء، ومنها انطلقت لتطأ أرض فلسطين.

ويرد في نفس ذلك الفصل أول رؤيا عينٍ للأرض المقدسة، وحديث ذو شجون عن استكمال ما حاولت الحملات السابقة إنجازه.

ويُنهي المؤلف القسم الأول من الكتاب باستعراض الأنشطة الرياضية والمسابقات التي كانت القوات تقوم بها للترويح عن جنودها ورفع كفاءتهم الجسدية والنفسية المعنوية.

القسم الثاني من الكتاب يتناول الحملة البريطانية ضد السنوسية.

ويقدم المؤلف في هذا القسم الجهود البريطانية للقضاء على محاولات الأتراك التغلغل والتسلل من الصحراء الغربية والليبية لتطويق الاحتلال البريطاني في مصر من الخلف.

ومحاولة إضعاف الحملة البريطانية على سيناء وفلسطين عبر إشعال المقاومة السنوسية والبدوية ضد الاحتلال البريطاني.

وفي الفصول الأربعة التي يختتم بها الكتاب نجد تفصيل كل ما جرى في واحات سيوة والداخلة والخارجة ووصف رؤية عين وشهادات متنوعة لكل نقاط ضعف وقوة تلك المنطقة.

وتفاصيل القوات والمجموعات السنوسية وتحالفاتها بين مثر وليبيا والسودان، ومعركة مرسى مطروح الهامة وموقف أهالي المنطقة من طرفي القتال، ومدى اندهاشهم من رؤية العربات الميكانيكية والمدرعة لأول مرة في حياتهم.

ويؤكد الكاتب على أن حملات الصحراء الغربية والليبية تلك كانت غاية في الأهمية لبريطانيا، لتأكيد وحدة الإمبراطورية في وجه عدوها. وينتهي الكتاب بنهاية معركة سيوة التي اكدت سيطرة الجيش البريطاني على الصحراء الغربية.

هذا الكتاب هو الجزء الأول من ثلاثة اجزاء تبدأ بشمال سيناء وتنتهي بالسيطرة على القدس، وفي انتظار ظهور بقية الأجزاء في خلال العام الجاري إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading