د.شيرين أحمد زكي: الثانوية العامة.. مقصلة سنوية تقتل الإبداع وتُفرغ التعليم من مضمونه!
دكتوراة مناهج وطرق التدريس- معلم أول لغة عربية
لقد تحوّلت الثانوية العامة المِصرية إلى مقصلة سنوية تُنصَب للطلاب وأسرهم، امتحانٌ لا يرحم، يُسحق فيه الإبداع، ويُقتل فيه الفضول العلمي، ويُختزل فيه مستقبل الطالب في رقمٍ جامدٍ على ورقةٍ باردة.
إنه نظام يزرع في عقول أبنائنا فكرة “النجاح من أجل الدرجة، لا التعلم من أجل المعرفة“، وكأن القيمة الحقيقية للتعليم لا تكمن في بناء إنسان واعٍ، بل في جمع أرقامٍ تُؤهِّل لمقعدٍ جامعيٍّ ليس إلا!
-
مدرسة بلا تعليم.. ودروس تُباع كسلعة:
لقد فقدت المدرسة المصرية دورها التربوي والتعليمي، وصارت قاعات فارغة من المعنى، بينما ازدهرت سوق الدروس الخصوصية التي حوّلت المعرفة إلى سلعة تُباع وتُشترى، والمعلم إلى تاجر، والطالب إلى زبون، بينما يظل النظام التعليمي عاجزًا عن كبح هذا الانحدار أو تقديم حلول جذرية.
نظام يكرّس الظلم ويُفرز مجتمعًا مشوّهًا:
- الثانوية العامة اليوم ليست مقياسًا للعدالة ولا للكفاءة.
- الطلاب الميسورون يشترون التفوق بآلاف الجنيهات في سناتر مغلقة.
- الطلاب غير المقتدرين يُترَكون لمصيرٍ قاسٍ في مواجهة نظامٍ لا يرحم.
- التغييرات المتكررة في شكل الامتحان لا تزيد إلا ارتباكًا وخوفًا وانعدام ثقة بين الطلاب وأولياء أمورهم.
الحقيقة التي نخجل من الاعتراف بها:
إن هذا النظام لم يُخرّج يومًا عالمًا مبدعًا أو مفكرًا حرًّا، بل يُخرّج حافظًا للمعلومات، فاقدًا لشغف المعرفة، عاجزًا عن مواجهة تحديات الحياة، لقد أصبحنا نُعدّ أبناءنا لـ”سباق درجات” لا لـ”رحلة علم”، فانقلبت الغاية إلى وسيلة، وفقد التعليم رسالته السامية.
-
المطلوب إصلاح جذري لا مسكّنات:
لن تُحل الأزمة بقرارات تجميلية أو تغييرات شكلية في عدد الأسئلة أو المواد. الإصلاح الحقيقي يبدأ بـ:
- إلغاء فكرة الامتحان المصيري الواحد، واعتماد التقييم التراكمي الشامل.
- تطوير المناهج من الحشو إلى بناء المهارات والتفكير النقدي.
- تمكين المعلم وتأهيله ماديًا ومهنيًا ليكون مربيًا لا مُلقِّنًا.
- إعادة المدرسة إلى بيئة تعليمية حقيقية تُعيد الثقة بين الطالب والمعلم وتُغني عن سوق الدروس الخصوصية.
- إقرار نظام تعليمي ثابت الرؤية والأهداف لعقدٍ كامل على الأقل، يشارك في صياغته خبراء التربية وأساتذة الجامعات، لضمان استقرار السياسات وثبات معايير العدالة.
كلمة أخيرة
آن الأوان أن نعترف بشجاعة، إن نظام الثانوية العامة بصورته الحالية يُدمّر العقول، ويُجهِض الطموح، ويُخرّج أجيالًا لا تحمل سوى وهم التفوق، لن ننهض ما دمنا نُقدّس ورقة الامتحان أكثر مما نُقدّس قيمة المعرفة، وما دمنا نُربّي أبناءنا على النجاح من أجل الدرجة، لا التعلم من أجل المعرفة، فالتعليم رسالة لبناء إنسانٍ حرٍّ واعٍ، لا مجرد معركة أرقام تُربَح أو تُخسَر.





