د.سالي فودة: طريقة إنتاج البيوتشار في المنزل.. دليل عملي لتحويل المخلفات النباتية إلى كنز زراعي

أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية

في ظل التوجه العالمي نحو الاقتصاد الدائري والزراعة المستدامة، يبرز البيوتشار (الفحم الحيوي) كأحد أكثر الحلول البيئية فعالية لتحويل المخلفات النباتية إلى مورد ذي قيمة اقتصادية وبيئية.
فهذه المادة الكربونية لا تساهم فقط في تحسين خصوبة التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية، بل تؤدي أيضًا دورًا مهمًا في تثبيت الكربون داخل التربة، بما يساعد على الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ومواجهة تغير المناخ.

ويتميز إنتاج البيوتشار بإمكانية تنفيذه بسهولة في الحدائق المنزلية باستخدام أدوات بسيطة، مع الالتزام بإجراءات السلامة واتباع خطوات صحيحة تضمن الحصول على منتج عالي الجودة.

ما هو البيوتشار؟

طريقة إنتاج البيوتشار في المنزل

البيوتشار هو فحم نباتي ينتج من تسخين المخلفات النباتية في بيئة شبه خالية من الأكسجين، وهي عملية تُعرف باسم التحلل الحراري (Pyrolysis) ، وخلال هذه العملية تتحلل المادة العضوية حراريًا دون احتراق كامل، لينتج عنها فحم غني بالكربون يتمتع ببنية مسامية تساعد على تحسين خصائص التربة الزراعية.

ويُعد البيوتشار أحد التطبيقات العملية للاقتصاد الدائري، إذ يحول المخلفات الزراعية والنباتية إلى مادة مفيدة بدلاً من التخلص منها بالحرق أو الطمر.

الأدوات المطلوبة

لإنتاج البيوتشار في المنزل ستحتاج إلى:

• برميل معدني مزود بغطاء محكم وفتحات تهوية سفلية.
• مخلفات نباتية جافة مثل الأغصان والقش والسيقان وقشور المكسرات.
• مصدر لإشعال النار.
• غطاء معدني لإغلاق البرميل.
• دلو من الماء لاستخدامه عند الحاجة للإطفاء.

خطوات إنتاج البيوتشار

أولًا: تجهيز المخلفات

تُجمع المخلفات النباتية وتُترك حتى تجف جيدًا، لأن انخفاض نسبة الرطوبة يقلل كمية الدخان ويحسن كفاءة عملية التحلل الحراري.

ثانيًا: ملء البرميل

تُوضع المخلفات داخل البرميل دون ضغطها بقوة، حتى تسمح بمرور الهواء بصورة متوازنة خلال المراحل الأولى من التشغيل.

ثالثًا: الإشعال من الأعلى

يتم إشعال الطبقة العلوية من المخلفات، وهي الطريقة المعروفة باسم Top-Lit UpDraft (TLUD)، والتي تُعد أكثر كفاءة وأقل إنتاجًا للدخان والانبعاثات مقارنة بالإشعال من أسفل.

رابعًا: بدء التحلل الحراري

مع استمرار الاحتراق يستهلك اللهب الأكسجين تدريجيًا، ويبدأ ظهور دخان خفيف بدلاً من اللهب القوي، وهي علامة على دخول المخلفات في مرحلة التحلل الحراري وإنتاج الفحم الحيوي.

خامسًا: إيقاف العملية

عندما يصبح الدخان خفيفًا ويختفي اللهب تقريبًا، يُغلق البرميل بإحكام لمنع دخول الأكسجين، حتى لا تتحول المادة الكربونية إلى رماد.

سادسًا: التبريد

يُترك البرميل مغلقًا لمدة تتراوح بين 8 و12 ساعة، أو حتى اليوم التالي، حتى يبرد تمامًا قبل فتحه.

لماذا يجب شحن البيوتشار بالمغذيات؟

لا يُنصح بإضافة البيوتشار الخام مباشرة إلى التربة، لأنه قد يمتص جزءًا من العناصر الغذائية الموجودة بها في البداية.

ولذلك يُفضل:
• طحن البيوتشار إلى حبيبات صغيرة.
• نقعه في سماد عضوي سائل أو شاي الكمبوست.
• تركه لمدة تتراوح بين 7 و14 يومًا مع التقليب من حين لآخر، حتى تمتلئ مسامه بالعناصر الغذائية والكائنات الدقيقة النافعة.

طريقة استخدامه في التربة

بعد شحن البيوتشار بالمغذيات، يُخلط مع التربة أو الكمبوست بنسبة تتراوح بين 5% و10% من حجم التربة، أي ما يعادل نحو 0.5 إلى 1 كيلوجرام لكل متر مربع، ثم يمكن زراعة النباتات بصورة طبيعية.

أهم فوائد البيوتشار

يوفر البيوتشار العديد من المزايا البيئية والزراعية، من أبرزها:
• تحسين قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه.
• زيادة كفاءة استخدام الأسمدة وتقليل فقد العناصر الغذائية.
• تنشيط الكائنات الحية الدقيقة المفيدة داخل التربة.
• تحسين بنية التربة وتهويتها.
• تثبيت الكربون داخل التربة لفترات طويلة، بما يساهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
• الاستفادة من المخلفات الزراعية والنباتية بدلاً من التخلص منها بالحرق.

إرشادات السلامة

لضمان تنفيذ العملية بأمان، يُنصح بما يلي:
• إجراء عملية الإنتاج في مكان مفتوح وجيد التهوية.
• عدم استخدام البلاستيك أو الأخشاب المعالجة أو أي مواد تحتوي على مركبات كيميائية.
• التأكد من انطفاء البرميل تمامًا قبل تركه أو فتحه.
• الالتزام بالتشريعات المحلية المنظمة لعمليات الحرق المكشوف.

حل بسيط بأثر كبير

يمثل إنتاج البيوتشار في المنزل نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل المخلفات النباتية إلى مورد اقتصادي وبيئي في الوقت نفسه.
فهذه التقنية منخفضة التكلفة تساعد على تحسين إنتاجية التربة، وترشيد استهلاك المياه، وتعزيز الزراعة المستدامة، كما تسهم في احتجاز الكربون داخل التربة لسنوات طويلة، لتصبح خطوة صغيرة على مستوى الحديقة المنزلية، لكنها تحمل أثرًا كبيرًا على البيئة والمناخ.

Exit mobile version