الموارد الطبيعية فى الشرق الأوسط.. نعمة أم نقمة؟
تعود فكرة لعنة الموارد الطبيعية Curse of Natural Resources إلى أن وفرة الوقود الأحفوري و المعادن النفيسة فى البلدان النامية لم ينتج عنها تقدما اقتصاديا و رفاهة اجتماعية حقيقة لشعوب الدول الممتلكة لهذه الموارد بل على العكس كانت هذه الموارد الطبيعية سببا فى اشتعال الحروب و تفاقم الصراعات الأهلية التى انتهت بمقتل الآف من الأبرياء.
فى الشرق الأوسط, شنت العراق حربا على الكويت فى عام 1990 فى خطوة اعتبرها المراقبون محاولة للتحكم فى ‘مدادات النفط في منطقة الخليج العربي ورفع أسعاره لتعويض خسائر العراق في حربه الطويلة مع إيران.
و بدعوى امتلاك العراق أسلحة نووية, غزت الولايات المتحدة العراق- التى تحتل المرتبة الخامسة عالميا بأكبر احتياطيات النفط الخام المؤكدة –ليتضح فيما بعد عدم وجود أية أسلحة للدمار الشامل فى العراق، وإن الحرب الأمريكية هدفت للسيطرة على ثروات العراق النفطية وتأمين تدفق النفط العراقى للأسواق العالمية كما يشير الكاتب جريج موتيت في كتابه النفط على النار أو Fuel on the Fire.
المياه و تاريخ الصراعات فى الشرق الأوسط
لكن هل تصبح المياه هي نفط القرن الحالي و تتأجج الصراعات و الحروب العسكرية من أجل تأمين إمدادات المياه وليس النفط؟
يبدو أن هذا هو الوضع بالفعل خصوصا في منطقة الشرق الأوسط فمثلا الثورة السورية التي انطلقت من درعا نشبت أساسا في ظل وجود أزمة مياه في المدينة واندلعت المظاهرات المطالبة بتوفير المياه، وإنهاء الفساد في الحكومة المحلية ولكن رد الفعل العنيف من قوات الأمن السورية أدى الى مقتل بعض المتظاهرين و تحولت الشعارات إلى إسقاط النظام وعمت المظاهرات مدن وبلدان محافظة درعا ومعظم المدن السورية.
والأمر مماثل لما حدث في الثورة اليمنية التي اندلعت عام 2011 في محافظة تعز التي تعانى من ندرة شديدة في موارد المياه.
الحروب بين العرب وإسرائيل
وتاريخيا تعتبر المياه من أهم العوامل التي نشأت بسببها الحروب بين العرب وإسرائيل فالعمليات العسكرية الإسرائيلية على الحدود السورية اللبنانية عامي 1964، 1965م، كانت بسبب الأطماع الإسرائيلية في مياه نهر الأردن، ونهر بانياس، ونهر اليرموك ونهر الحاصبانيى.
ولقد صاحب اجتياح إسرائيل للبنان عام 1978 سيطرتها على نهر الوزاني الذي يغذّي نهر الأردن كما وضعت مضخات وتمديدات لإيصال المياه من نهر الحاصباني إلى شمال إسرائيل, علما بأن حصة إسرائيل من نهر الحاصبانى تزيد على حصة لبنان 14 مرة.
وفى عام 1982 شنت إسرائيل حملة عسكرية على لبنان كان من أهدافها السيطرة على نهر الليطانى.
وبذلك فإن نهر الأردن ومجراه اليرموك هما مثالان جيدان للصراعات السياسية المرتبطة بالمياه وتوزيعها إقليميا بين الأردن, سوريا, لبنان, إسرائيل, وفلسطين وأي نقص للمياه بين هذه الدول سيجعل النزاع على استغلال حوض الأردن نزاعا دوليا معقدا قد يشعل حربا في منطقة تعج بالتوترات السياسية.
ندرة المياه و مستقبل التنمية الاقتصادية
لا شك أن الوقوف على المشكلة والتنبه لها لم يكن وليد الأيام الراهنة، فقد تنبه العلماء لخطورة مسألة ندرة المياه فى منطقة الشرق الأوسط على الأوضاع الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي فى المنطقة، حيث تشير إحصاءات الأمم المتحدة بأنه ما بين 50 و350 مليون شخص في المنطقة سيكونون عُرضة لشُح المياه.
بالإضافة إلى ذلك ، فإن تغير المناخ – بالاشتراك مع عوامل أخرى مثل النمو السكاني والتوسع الحضري والتغيرات الاقتصادية – سوف يتسبب في فشل المحاصيل الزراعية، وبالتالي اضطرابات واسعة النطاق في النظم الغذائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا .
على سبيل المثال ، في مصر ، انخفض نصيب الفرد من إمدادات المياه بنسبة 60% منذ عام 1970 ، وبحلول عام 2025 تتوقع الأمم المتحدة أن تواجه مصر ندرة مطلقة في المياه.
كذلك تحولت المياه إلى أحد وسائل الحروب و الصراعات و هذا ما حدث بالفعل فى العديد من مناطق الصراع و التوتر السياسى فى المنطقة، فعلى سبيل المثال، استخدمت الميليشيات المسلحة فى لبييا البنية التحتية للمياه، وخاصة النهر الصناعي العظيم Great Man-Made River، كمصدر للضغط ضد الأطراف المتصارعة الأخرى و الحكومة المركزية.
الخلاصة: لابد من الإسراع فى تطبيق آليات و قوانين ترشيد استخدام المياه و تجريم استخدامها فى الصراعات و رفع الوعى المجتمعي بتلك الآليات و القوانين
مما سبق يتضح تعاظم التحدي المتمثل في ندرة المياه العذبة فى منطقة الشرق الأوسط بسبب التهديدات الأخرى المتمثلة فى تغير المناخ و النمو السكاني الُمطرد و الأوضاع السياسية المضطربة التى حولت مصادر المياه إلى أدوات للحروب و الصراع فى بعض دول المنطقة.
استحداث آليات فعالة لإعادة توزيع وتخصيص المياه
لذلك لابد من اعتماد مجموعة من السياسيات والتشريعات المحلية والإقليمية التى تساهم فى الإدارة الفعالة لموارد المياه المتاحة و الحفاظ عليها.
إحدى هذه السياسات هى استحداث آليات فعالة لإعادة توزيع وتخصيص المياه مثل زيادة كفاءة وسائل الري المستخدمة فى الزراعة- مثل الري بالتنقيط الذي يقلل من استخدام المياه بنسبه 30 الى 70 %، بالمقارنة بالري التقليدي- واستبدال المحاصيل التى تحتاج الى كميات وفيرة من المياه الى محاصيل أقل كثافة فى احتياجاتها من المياه.
كذلك لابد من تحسين أنظمة الصرف الصحي فى البلدان العربية وتقنيين استخدام المياه و تقييده و خصوصا فى أغراض البناء و التشييد و الصناعات الثقيلة.
دور منظمات المجتمع المدني
بالإضافة الى السياسات العامة و الحكومية، لا يُمكن إغفال دور منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية فى الإدارة الفعالة و الحفاظ على موارد المياه, فمثلا فى تونس يوجد حوالى 2500 جمعية محلية تدير أنظمة الشرب والري في المجتمع.
وفي الأردنـ تقوم منظمة سيدات الأعمال و المهنيات بتدريب ربات البيوت على أساليب الحفاظ على المياه وترشيد استهلاكها من خلال الترويج لوسائل منخفضة التكلفة مثل سدادات لخراطيم المياه و الصنابير بما يمنع تسرب المياه.
اصطلاحات مؤسسية وقانونية طويلة المدى
ما سبق ذكره ُيمثل وسائل قصيرة المدى لمجابهة ندرة المياه فى العالم العربي، والتي لن تُجدى نفعا بتفعيل اصطلاحات مؤسسية وقانونية طويلة المدى فيما يتعلق بالنظم المعقدة لحقوق المياه وحقوق الأراضي والأنظمة القانونية المتعلقة بإدارة المياه و توزيعها و تخصيصها بين الاستخدامات الوطنية المختلفة وكذلك تجريم السطو على منابع المياه و استغلالها فى تأجيج الصراعات وتشديد العواقب القانونية لذلك بما يحقق الردع الكافي.
و كذلك لابد من تعديل و تفعيل الأطر القانونية التى تحكم موارد المياه العابرة للحدود بما يضمن حقوق الدول التى تتشارك الموارد المائية فى التوزيع العادل لحصص المياه, والحق في الملاحة والحق في التنمية الاقتصادية الرشيدة التى تسهم فى تحقيق التنمية المستدامة فى دول المنبع و المصب على جد سواء.
