وجهات نظر

د.رفعت جبر: دور الجامعات المصرية فى التنمية المستدامة

رئيس قسم التقنية الحيوية - كلية العلوم جامعة القاهرة

الاستثمار الثقافي

تركز الاستثمارات الثقافية بشكل خاص على المنظمات التي تنتج أو تقدم الأنشطة الثقافية للجمهور، ومن أهم فوائد الاستثمار في الثقافة والأفراد تعزيز الانتماء، زيادة الإنتاجية، وجذب أفضل المواهب، وتعزيز الابتكار، والرفاهية والرضا المجتمعي، وبناء سمعة قوية للمؤسسات داخليا وخارجيا.

وقد تم تطوير وصياغة العديد من النظريات الاقتصادية من أجل فهم السلوك الثقافى وتباينه فى المجتمعات المختلفة من خلال طرح سؤال محوري: كيف ولماذا يدخر البشر مواردهم وكيف ينفقونها؟

وتطوير معظم هذه النظريات تم بناءً على مبادئ التمويل النظري، ومن ثم كانت أول نظرية تم طرحها وتطويرها في هذا الصدد من قبل الإيطالي الأصل والأمريكي الجنسية فرانكو موديلياني في عام 1954م (حاز جائزة نوبل عام 1985م).

ومع مرور الوقت، أضاف الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان، الحائز على جائزة نوبل أيضا عام 1976م، بعض التقدم في هذه النظرية.

لقد ابتكر فرضية الدخل الدائم بأن جميع الأسر قادرة على حساب إجمالي الثروة التي ستجمعها خلال سنوات عملها، وبناء على هذا الافتراض، يصبحون قادرين على استخلاص قيمة القسط السنوي بعد الضريبة لما سيكون عليه إجمالي ثروتهم.

قيمة القسط السنوي بعد الضريبة هي مقدار المال الذي ينتهي بهم الأمر إلى إنفاقه كل عام.

أصبحت هذه الفرضية تُعرف أيضًا باسم نظرية دورة الحياة.

ومع ذلك، حتى نظرية دورة الحياة لم تأخذ في الاعتبار أي جانب من جوانب التمويل السلوكي.

وكان هذا غريباً لأن العالم أصبح يعرف الآن مدى عمق تأثير التمويل السلوكي على سلوك المستثمرين.

لذلك، حان الوقت لترقية نظرية دورة الحياة.

ومن هنا تم تطوير نظرية جديدة أدرجت الجوانب السلوكية في نظرية دورة الحياة والتى عرفت بعد ذلك بنظرية دورة الحياة السلوكية.

نظرية دورة الحياة السلوكية

تتحدث نظرية دورة الحياة عن عملية تراكم وتراكم الأصول طوال العمر وتقسم هذه النظرية دورة الحياة إلى مراحل معينة وذلك من خلال تأثير الثقافة على القرارات المالية مثل: معدل الإدخار؛ فئة الأصول؛ الإطار الزمني و الخرافات كما يلى:

1- الثقافة وتأثيرها على معدل الادخار:

لا يستثمر الأفراد إلا بعد توفير المال. ومن ثم، يمكن القول أن المدخرات هي مقدمة للاستثمارات.

وبالتالي، إذا كان هناك المزيد من المدخرات، فإن الاستثمارات ستكون أكثر أيضًا.

ولهذا السبب فإن للثقافة أيضًا تأثيرًا كبيرًا بشكل غير مباشر على الاستثمارات. على سبيل المثال، يميل الناس في الدول الغربية إلى توفير أموال أقل لأن المجتمعات أكثر استهلاكية بطبيعتها.

ومن ناحية أخرى، يميل الناس في الدول الآسيوية مثل الصين إلى ادخار جزء أكبر من دخلهم للمستقبل.

قد يكون هذا بسبب أن هذه البلدان شهدت تفشي الفقر في الماضي غير القريب.

ومن ثم، فإن الميل إلى توفير المال قد ترسخ في ثقافتهم.

2- تأثير الثقافة على فئة الأصول:

تؤثر العوامل الثقافية أيضًا بشكل كبير على فئة الأصول، التي يختارها الأفراد من أجل الاستثمار.

على سبيل المثال، في معظم الدول الغربية، تعد ملكية المنزل مرادفة للزواج.

وهذا هو السبب الذي يجعل العقارات هي فئة الأصول المفضلة لدى معظم الشباب في الدول الغربية.

بينما يستخدم الأشخاص في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من العمر في الواقع فئات الأصول الأخرى كوسيلة مؤقتة.

وحتى لو استثمروا في الأسهم أو السندات، فإن الاستثمارات ليست طويلة الأجل وسوف يقومون بسحب هذه الأموال على المدى القصير والحصول على رهن عقاري.

وبالمثل، في الدول الآسيوية مثل الهند والصين، هناك حاجة ثقافية لشراء كميات كبيرة من الذهب.

ويعتبر الذهب رمزا للمكانة ويستخدم أيضا بكميات كبيرة في الطقوس الدينية.

ولهذا السبب توجد كمية كبيرة من الذهب في هذه المنطقة.

خلاصة القول هي أن عددًا كبيرًا من المستثمرين يختارون فئة معينة من الأصول لأسباب ثقافية بحتة.

إنهم لا يقيمون ما إذا كانت العقارات تعطي عائدًا أعلى مقارنة بالذهب.

إنهم لا يحاولون تعظيم عوائدهم النقدية. وبدلا من ذلك، فإنهم يحاولون ببساطة تلبية احتياجاتهم الاجتماعية.

على سبيل المثال، من غير المرجح أن تستخدم الأسهم والسندات كهدايا زفاف في الهند أو الصين، ومؤخرا فقد انتقلت ثقافة شراء العقارات والمقابر فى مصر بصورة واضحة.

3- تأثير الثقافة على الإطار الزمني:

ينظر الممارسون الماليون إلى الاستثمارات من الناحية الحسابية فقط. ومع ذلك فإنها بالنسبة للمستثمر ليست إلا وسيلة لتحقيق غاية محددة.

وعليه فإن القاعدة المالية هى إن الاستثمار الذي يوفر أفضل العوائد ليس جيدًا إذا كان يوفر عوائد بعد انتهاء الحاجة الاجتماعية إليه.

غالبًا ما يلجأ الناس للإستثمار لأهداف معينة مثل شراء أو بناء منزل، تعليم الأولاد و زواجهم وتقاعدهم، وما إلى ذلك. وتسير هذه الأحداث فى إطار زمني معين مما يجعل هذا الاستثمار خاضعا لثقافة المجتمع.

على سبيل المثال، إذا كان الشخص يريد الادخار من أجل إلحاق أولاده بالجامعة بعد عدة سنوات محددة، فإن أفق استثماره يصبح عدة سنوات محددة.

وبالتالي، لا يمكنه اختيار فئة أصول طويلة الأجل مثل الأسهم، حتى لو كانت الأسهم توفر عوائد أفضل على المدى الطويل.

4- تأثير ثقافة الخرافات:

هناك نقطة أخرى مهمة يجب الإشارة إليها وهي أن الثقافة تلعب دورًا مهمًا حتى لو كانت غير عقلانية.

على سبيل المثال، في الدول الغربية، يعتبر يوم الجمعة الموافق الثالث عشر يوم سيئ الحظ ولهذا السبب تتراجع العوائد فى هذا اليوم. بينما يعتقد الهنود أن أيامًا معينة تكون مناسبة لإجراء عمليات شراء كبيرة.

وهذا هو السبب في أن فئات الأصول مثل الذهب والعقارات تشهد طفرة في هذه الأيام المحددة.

هناك العديد من الخرافات الأخرى التي لا معنى لها عندما تفكر فيها بشكل منطقي، ومع ذلك فإن هذه الخرافات تميل إلى أن يكون لها تأثير كبير على الأسواق المالية والاستثمارية في مناطق معينة.

خلاصة القول، أن القوى الثقافية تعمل دائمًا في الخلفية ويتم اتخاذ قرارات الاستثمار بشكل أساسي من قبل البشر، وهم كائنات ثقافية بحكم التعريف ولذلك فإنهم يعيشون في مجتمعات أصبح فيها التصرف بطريقة معينة هو القاعدة حيث يرى يروا أن القيمة في التوافق مع تلك المعايير، وبالتالي فإن سلوكهم الاجتماعي يمكن التنبؤ به.

دور الجامعات فى التنمية المستدامة لمصر

تواجه المجتمعات في القرن الحادي والعشرين العديد من القضايا البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي أصبحت مشاكل جماعية، حيث أصبح مفهوم “التنمية المستدامة” قضية مركزية أدت إلى اهتمام عالمي غير مسبوف.

و التنمية المستدامة هو مصطلح اقتصادي اجتماعي أممي، رسمت به هيئة الأمم المتحدة خارطة للتنمية البيئية والاجتماعية والاقتصادية على مستوى العالم، هدفها الأول هو تحسين ظروف المعيشية لكل فرد في المجتمع، وتطوير وسائل الإنتاج وأساليبه، وإدارتها بطرق لا تؤدي إلى استنزاف موارد كوكب الأرض الطبيعية، حتى لا نحمل الكوكب فوق طاقته، ولا نحرم الأجيال القادمة من هذه الموارد، (تلبية احتياجات الجيل الحالي دون إهدار حقوق الأجيال القادمة)، ودون الإفراط في استخدام الموارد الطبيعية المتبقية على كوكبنا.

إن أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، كجزء من خطة التنمية المستدامة لعام 2030م، هي خطة عمل تشمل جميع الجهات الفاعلة المجتمعية وتحدد الأهداف والغايات، بهدف تحفيز العمل لتحقيق هذه الأهداف علاوة على ذلك، فإن المبادرات مثل ميثاق جامعة كوبرنيكوس، أو مبادرة استدامة التعليم العالي (HESI)، أو الشبكة الدولية للحرم الجامعي المستدام (ISCN) هي دليل على هذا الالتزام.

ونتيجة لهذا فقد أدرك عدد متزايد من هذه المؤسسات الدولية مسؤوليتها وبدأت في دمج الاستدامة في هياكلها وعملياتها وممارساتها عن طريق الرقمنة والأتمتة وخطط قصيرة وطويلة الأجل من أجل مواكبة تغيرات سوق العمل السريعة.

تكمن أهداف التنمية المستدامة فى ثلاثة محاور: الرفاهية والبيئة والإقتصاد ولذلك تُعد الجامعات إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها تقدم المجتمع ونموه، لأنها المؤسسة العلمية الأكاديمية التي تعمل على إعداد الموارد البشرية التي تحتاجها خطط تنمية المجتمع والدولة، والتي تكون مدتها خمس أو عشر سنوات، تلك الخطة الاستراتيجية الني يضعها العلماء في أي مجتمع تعمل على التحسين المستمر من خلال التركيز على تنمية المهارات المهنية والشخصية، والقدرات اللازمة لإنشاء قادة المستقبل وصناع القرار والمبتكرين ورجال الأعمال والمواطنين الذين لديهم المعرفة والحافز للمساهمة فى التنمية المستدامة.

يُعد الوصول إلى التعليم الجيد أمرًا بالغ الأهميةللتنمية المستدامة و شرطا مسبقا للإنجاز، حيث يُسهل الحراك الاجتماعي من خلال التفكير النقدي الذي يُزود الأفراد بالمهارات اللازمة في سوق العمل المتغير بسرعة.

كما يساهم بطرق مختلفة لجعل الناس أكثر مرونة ورفاهية وقادرة على مواجهة مختلف التحديات مثل الفقر والاكتئاب.

ولهذا فإن الجامعات تحتل مكانة أصحاب المصلحة المحايدين والموثوقين داخل المجتمع وتضطلع بدور محوري فى توجيه السياسة الناجحة للابتكار الاجتماعي والتكنولوجي والاقتصادي والثقافي والصحى.

وتلعب المستشفيات الجامعية دوراً رئيسياً في نظام الرعاية الصحية العامة عن طريق تدريب أجيال جديدة من الأطباء المهنيين، وتوفير الرعاية لملايين المرضى وإجراء البحوث التي تساعد على إيجاد حلول مبتكرة للعلاج أو حتى الوقاية من المرض.

جامعة القاهرة ودورها الريادى المساهم فى تحقيق التنمية المستدامة لمصر

إن ريادة جامعة القاهرة محليا وإقليميا والمساهمة الفاعلة عالميا يضعها أمام تحديات جسام من أجل المساهمة فى تحقيق التنمية المستدامة من خلال التركيز على نقاط أساسية، أهمها: تبني استراتيجية رفع مستوى التعليم والبحث العلمي، زيادة الدعم المالي، تطوير المراكز البحثية والمراكز المتخصصة في مجالات البحث العلمي، ووضع رؤية خاصة لمواكبة احتياجات سوق العمل، تشجيع تطوير الابتكارات والحلول الجديدة، تطوير الشراكات بين المؤسسات التعليمية المحلية والشراكات الدولية الأخرى، تشجيع التبادل الثقافي، وتكوين روابط تعليمية وبحثية قوية بين الجامعات والمؤسسات العلمية في الخارج، إدراج الاستدامة في الخطة الاستراتيجية، وإنشاء مجمعات خضراء/مكاتب خضراء وحاضنات أعمال تكنولوجية؛ المشاركة في تسويق المشاريع البحثية، والمشاركة في التصنيفات الدولية، ونقل وتوطين التقنية الحيوية وإعادة انتاجها.

ويقينى أنها قطعت شوطا لابأس به فى ذلك، وأتمنى لها مزيدا من التوفيق والنجاح والإنجاز والازدهار من خلال قيادتها الواعية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading