بين ريتشارد وترامب: أحلام التوسع لا تموت
الحطابون فى الجبال والعجائز حول نار المدفأة والفلاحون فى الحقول كلهم ينتظرون عودة ريتشارد بمفتاح أورشليم واليوم ترامب يمني نفسه بمفتاح الشرق الأوسط كله، إن مايحدث لا يوثق لحظة تاريخية فحسب، بل يرصد “جينات التوسع” الغربي التي لا تتغير..!؟
اليوم، يتجسد “ريتشارد” في تحالف (ترامب-نتنياهو)، لكن المفتاح لم يعد رمزيًا، بل أصبح “مشرطًا” يمزق جسد المنطقة من غزة ولبنان إلى العراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان وإيران، ولا نسمع إلا قلائل الأصوات تستهجن ذلك..!؟
إن السياسة الأمريكية التي استباحت دماء عشرات الآلاف من أطفال غزة، هي نفسها التى قتلت 165 طفلة إيرانية، واغتالت القيادات، وحاصرت الدول بسدود الفتن والديون، هي ذاتها التي تتهكم اليوم على سيادة الخليج وتنهب ثروات الشعوب تحت غطاء “الحماية”. إنها سلسلة ممتدة من القتل والسلب، تضع العرب أمام سؤال وجودي: ألم يحن الوقت لتمزيق الأقنعة؟
زلزال سانشيز: وفاة السردية الغربية
في قلب “القارة العجوز”، أطلق رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” صرخة كشفت “عُري” الضمير الغربي. لقد حطم سانشيز جدار “ازدواجية المعايير” حين وضع قادة أوروبا أمام المرآة: كيف تدينون غزو أوكرانيا وتصفقون لإبادة غزة واستباحة لبنان؟
هذا “الزلزال الدبلوماسي” أعلن رسميًا أن القوانين الدولية ليست نصوصًا مقدسة عند واشنطن، بل هي “ستائر” تُفتح وتُغلق حسب مصلحة الكيان الصهيوني. إن صمت أوروبا عن دماء العرب مقابل دفاعها المستميت عن سيادة “غرينلاند” يعكس هوة أخلاقية جعلت من “النظام العالمي القديم” مجرد أداة لشرعنة البلطجة.
هندسة العالم الجديد: المضلع الشرقي هو الملاذ
نحن اليوم أمام ولادة نظام عالمي “متعدد الأضلاع” ينهي زمن القطب الأوحد، ويتيح للعرب فرصة تاريخية للتحرر من التبعية المهينة:
- الضلع الشرقي الصلب (روسيا والصين): الذي يقدم بديلًا اقتصاديًا وعسكريًا لا يقوم على الابتزاز السياسي أو التدخل في شؤون الدول.
- الضلع الجنوبي الصاعد (بريكس والبرازيل): تكتل يرفض أن يكون “كومبارس” في مسارح الحروب الأمريكية.
- التمرد الأوروبي: تكتلات داخل أوروبا (مثل إسبانيا) بدأت تدرك أن التبعية العمياء لواشنطن تحرق نفوذ القارة وتدمر استقرارها.
- الدول العربية والإسلامية: مصر السعودية سلطنة عمان الجزائر اليمن… تركيا باكستان وإيران بصمودها الذي أبهر العالم، وغيرها، أيقنت أن فصول اللعبة لم تنته، بل بدأت للتو للسيطرة على مقدرات وثروات وهوية العرب والمسلمين.
الرؤية المستقبلية: نحو جبهة عربية إسلامية مستقلة
إن خروج أمريكا والكيان من منطقتنا لن يتم بالتمني، بل بصياغة “كتلة حرجة” قادرة على فرض إرادتها. الطريق إلى الرخاء الشعبي يبدأ بـ:
- فك الارتباط الأخلاقي والمادي بالغرب الاستعماري الذي لا يرى فينا سوى آبار نفط أو ساحات تجارب للأسلحة.
- بناء تحالفات استراتيجية مع الشرق (بكين وموسكو) تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.
- استعادة كرامة القرار السيادي بعيدًا عن التهكم والابتزاز، وتحويل القضايا المعلقة في رقبة الغرب إلى ملفات محاسبة دولية لا تسقط بالتقادم.
سقطت الأقنعة ولم يعد لدى العرب عذر
لقد سقطت الأقنعة، ولم يعد لدى العرب عذر للبقاء في “غيبوبة التبعية” أو انتظار إنصاف من “مشرط” الجراح الذي يقتات على جراحنا. إن “زلزال سانشيز” لم يكن مجرد صرخة أوروبية، بل كان إشارة البدء لزمن لا يحترم إلا الكتل الصلبة والمصالح المشتبكة بالندية، لا بالخضوع.
إن الرهان اليوم ليس على تبديل “سيد غربي” بـ “حليف شرقي”، بل الرهان على استعادة الذات العربية؛ فالمفتاح الذي ضاع في دهاليز التاريخ لن يعود على طبق من فضة، بل يُصاغ من جديد في مصانع التكنولوجيا، ومختبرات البحث، وغرف القرار السيادي الموحد.
إما أن نستفيق اليوم لنكون ركنًا أصيلًا في هندسة العالم الجديد، نملك “مفتاحنا” الخاص وقرارنا المستقل، أو نظل “فلاحين وحطابين” على هامش الجغرافيا، ننتظر عدوًا لن يعيد لنا مفتاحًا أبدًا، بل سيظل يغير أقنعته ليخفي خلفها نصل المشرط ذاته. لقد دقت ساعة الاستفاقة.. فهل من مجيب؟
