المعادلة الصعبة: “مصائب” الفيتو الأمريكي و”فوائد” القوى الصاعدة
في ميزان الجيوسياسية العالمية، تظل قاعدة “مصائب قوم عند قوم فوائد” المحرك غير المعلن للصراعات. فبينما يغرق مجلس الأمن في شلل دبلوماسي نتيجة “الفيتو” المتكرر، تنبري قوى دولية وإقليمية لاستثمار هذا الفراغ، محولة الأزمات السياسية إلى مكاسب اقتصادية وعسكرية تعيد تشكيل وجه العالم.
أولًا: التحرك المصري.. الرئيس السيسي ونداء السلام المباشر
في قلب هذا الحراك، يبرز الدور المصري كركيزة للاستقرار؛ حيث لم تكتفِ القاهرة ببيانات الشجب، بل ذهب الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أبعد من ذلك بمطالبته المباشرة للإدارة الأمريكية (خاصة في تواصله مع الرئيس دونالد ترامب) بضرورة الوقف الفوري والشامل للحرب. وتقود مصر جهودًا ماراثونية لكسر حلقة العنف، مؤكدة أن استمرار الصراع يهدد الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما يضع الجانب الأمريكي أمام مسؤولياته التاريخية كقوة عظمى، بعيدًا عن سياسة “الفيتو” التي أدت إلى انسداد الأفق السياسي.
ثانيًا: الصين وإيران.. استثمار الفراغ الاقتصادي والعسكري
بينما تنشغل القوى الغربية بالحروب، تعمل الماكينة الصينية وفق استراتيجية “المصنع الذي لا ينام”، حيث هيمنت على سوق بدائل الطاقة ومستلزمات الإنتاج، محققة ثروات طائلة. وعلى الجانب الآخر، تبرز إيران كلاعب يسعى لزعزعة السمعة العسكرية الأمريكية، إذ ترى طهران في هذا الارتباك الغربي فرصة لفرض معادلات ردع جديدة، ملمحة إلى أن امتلاك تقنيات عسكرية متطورة قد يغير خارطة النفوذ في المنطقة للأبد.
ثالثًا: صوت الأزهر والفاتيكان.. السلام في مواجهة “آلة الحرب”
وسط ضجيج السلاح، يصدح شيخ الأزهر وبابا روما بدعوات السلام، محولين الخطاب الديني إلى ضغط أخلاقي دولي يحرج القوى الكبرى. تتلاقى دعوات شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان مع التحركات المصرية والدولية لتشكيل “جبهة ضمير” عالمية ترفض أن تظل شعوب المنطقة رهينة لقرارات تُتخذ خلف الأبواب المغلقة في نيويورك.
رابعًا: زلزال مجلس الأمن.. 14 دولة تنتفض ضد الفيتو
توج هذا الضغط بتحرك مفاجئ للأمم المتحدة بقيادة إسبانيا والمكسيك، حيث وقعت 14 دولة (من بينها الكويت، النمسا، السويد) رسالة تطالب بتفعيل المادة 27 (3) من الميثاق. يهدف هذا التحرك إلى تقييد “الفيتو” الأمريكي الذي استُخدم 94 مرة، ومنع أي دولة طرف في نزاع من التصويت، في خطوة وصفت بأنها “تمرد دبلوماسي” قانوني لتصحيح مسار العدالة الدولية.
الخلاصة: تحالف “الحق في الحياة” ضد “حق النقض”.. هل يتغير النظام العالمي؟
إن تلاقي هذه المسارات (الدبلوماسية المصرية الضاغطة، الصعود الاقتصادي الصيني، التحدي العسكري الإيراني، والثبات الأخلاقي للفاتيكان) يشير إلى أن العالم بصدد “كسر الصمت”. لم تعد المصائب مجرد آلام عابرة، بل أصبحت محفزات لإرادة دولية جديدة.
إن التحرك المصري للضغط على وقف آلة القتل، مع الصعود الاقتصادي الصيني، وتنامي الجبهات الدولية الصلبة، وصرخات أخلاقية من الأزهر والفاتيكان، يجد “الفيتو” محاصرًا. هذا الحراك، الذي تقوده دول مثل إسبانيا وروسيا والبرازيل والصين، مدعومًا برؤية دول الجنوب الصاعدة، يعكس إصرارًا عالميًا على وقف نزيف الدماء.
لم تعد القضية مجرد “مصائب قوم”، بل صراع وجودي بين نظام قديم يحتمي بالفيتو وإرادة دولية جديدة تسعى لنزع أنيابه وتحقيق توازن عالمي يحمي الأرواح قبل مصالح الهيمنة.

