وجهات نظر

د.رفعت جبر: لغز كروموسوم الذكورة.. سيناريو الزوال وفرضية الاستقرار الجيني

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

تُعد مسألة مستقبل كروموسوم Y البشري واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في علم الأحياء التطوري، حيث ينقسم العلماء بين مدرستين رئيسيتين بشأن ما إذا كان هذا الكروموسوم، الذي يحمل الجين المسؤول عن تحديد الذكورة، يتجه إلى التدهور والاختفاء، أم أنه بلغ مرحلة من الاستقرار الجيني. ويكمن جوهر الخلاف في تحليل معدل فقدان الجينات منذ نشأة الكروموسوم قبل نحو 166 مليون سنة.

أولًا: مدرسة التدهور والاختفاء – البروفيسورة جيني جريفز


ترى هذه المدرسة، التي تقودها عالمة الوراثة التطورية الأسترالية البروفيسورة جيني غريفز، أن مستقبل كروموسوم Y قاتم. فبسبب عدم تبادله للمعلومات الجينية مع كروموسوم X، يصبح عرضة لتراكم الطفرات الضارة وفق ما يعرف بـ Muller’s Ratchet.

وقد فقد الكروموسوم نحو 94% من محتواه الجيني الأصلي، مُتناقصًا من 900 جين إلى نحو 55 جينًا نشطًا فقط. وبناءً على هذا المعدل، الذي تقدره غريفز بخمسة جينات لكل مليون سنة، تتوقع اختفاء الجينات المتبقية خلال 11 مليون سنة تقريبًا، مما قد يضطر البشر إلى تطوير آلية بديلة لتحديد الجنس.

ثانيًا: مدرسة الاستقرار والبقاء – الدكتورة جين هيوز


في المقابل، تجادل الدكتورة جين هيوز، من معهد وايتهيد، بأن كروموسوم Y تجاوز بالفعل مرحلة التدهور السريع واستقر عند مجموعة أساسية من الجينات الحيوية.

وتُظهر دراساتها المقارنة بين كروموسوم Y في عدد من الثدييات، مثل البشر والشمبانزي، أن الجينات المتبقية محفوظة بقوة ولم تُفقد خلال الـ 25 مليون سنة الماضية.

وترجع هيوز هذا الاستقرار إلى أهمية هذه الجينات الحيوية لجميع وظائف الجسم، إضافة إلى عمل الانتقاء الطبيعي على حمايتها، مع امتلاك الكروموسوم لآليات ذاتية لإصلاح تلفاته.

النظم البديلة لتحديد الجنس في غياب كروموسوم Y


يتفق معظم العلماء على أن اختفاء كروموسوم Y – إن حدث – لا يعني بالضرورة نهاية الجنس البشري، حيث تظهر أمثلة طبيعية لكائنات فقدت هذا الكروموسوم كليًا، مثل فئران الخلد الأوروبية وجرذان توكودايا الشوكية، لكنها واصلت التكاثر عبر نقل وظيفة تحديد الجنس إلى جين موجود على كروموسوم جسدي.

جين SOX9: الجندي الذي لا يموت في تحديد الذكورة


يُعد جين SOX9، الموجود على الكروموسوم 17، المنفذ الرئيسي للمسار الذكوري في الثدييات.
في النظام التقليدي (XY)، يقوم جين SRY الموجود على كروموسوم Y بتفعيل SOX9 في الجنين، ليبدأ الأخير تشغيل الجينات المسؤولة عن تشكيل الخصيتين وقمع المسار الأنثوي.

أما في الأنواع التي فقدت كروموسوم Y، فقد أصبحت طفرات تنظيمية بالقرب من SOX9 تكفي لزيادة تعبيره بقوة، مما يمكّنه من تولي دور “المفتاح” و”المنفذ” معًا، دون الحاجة إلى إشارة أولية من SRY.

جوهر الخلاف بين المدرستين

  • غريفز ترى أن كروموسوم Y يتدهور بشكل حتمي بسبب تراكم الطفرات.

  • هيوز تؤكد أنه بلغ مرحلة من الاستقرار نتيجة حماية الانتقاء الطبيعي للجينات الحيوية.

  • الاختلاف بينهما يدور حول معدل فقدان الجينات والقوى التطورية المسيطرة على مستقبل الكروموسوم.

إرث باقٍ أم زوال محتوم؟


يبقى مصير كروموسوم Y سؤالًا مفتوحًا في علم الوراثة التطوري. فبينما تتوقع بعض النماذج اختفاءه، تشير أخرى إلى أنه وصل إلى مرحلة من الاستقرار، لكن الدرس الأهم هو أن التطور يمتلك دائمًا القدرة على إيجاد حلول بديلة، كما يبرهن دور SOX9 في الأنظمة التي فقدت كروموسوم Y، وفي جميع الأحوال، سيظل هذا الجدل أحد أكثر ملفات علم الأحياء إثارة للدهشة والتأمل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading