طالعتنا وسائل الإعلام بحديث منسوب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي في كلمة متلفزة قال فيها: “المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان”.
تعد هذه التصريحات والتحركات العسكرية والسياسية، خاصة في سياق عام 2026، نقطة تحول كبرى في الوعي الجمعي العربي والعالمي.
إن استحضار لغة “القوة الغاشمة” وتهميش القيم الروحية والإنسانية لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل تحول إلى عقيدة ميدانية تهدف إلى تبرير الحروب الاستباقية وتقويض السيادة الوطنية للدول.
هذه الأقوال والأفعال تكرس لمبادئ القوة الطاغية والسياسة الغاشمة التي تهدر قيم المجتمعات والإنسانية، وتضرب بعرض الحائط ما تم بناؤه من قوانين وأعراف دولية، وتنتهك ميثاق الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، بل تتجاوز ذلك لتقضي على أي أمل في العيش بسلام وحرية وكرامة، كما تقضي على أي هدف إنساني نبيل، ويتضح ذلك من خلال النقاط التالية:
1. سقوط الأقنعة الأيديولوجية
لطالما حاولت السياسة الدولية التغطية على مصالحها بعبارات مثل “حقوق الإنسان” و”القانون الدولي”.
لكن عندما يستشهد نتنياهو بالمؤرخ ويل ديورانت ليقول إن “المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان” في غياب القوة، فإنه يعلن صراحة عن تجاوز الأخلاق، والاعتراف بأن القوة العسكرية هي المعيار الوحيد للحق.
بالنسبة للمسيحيين والمسلمين العرب، هذا الكلام ليس مجرد تحليل تاريخي، بل هو استفزاز للهوية، إذ يمس جوهر قيمهم المشتركة التي تقدس الأنبياء والرسل وترفض “منطق الغابة” الذي يمثله جنكيز خان.
2. تقاطع المصالح ومنطق “القوة تصنع الحق”
تصريحات ترامب وفريقه، التي تتسم بالبراجماتية الفجة تحت شعار “أمريكا أولاً”، تتقاطع مع توجهات اليمين الإسرائيلي لإعادة صياغة النظام العالمي على أساس القوة المهيمنة بدل الإجماع الدولي.
في مارس 2026، ومع تصاعد العمليات العسكرية المشتركة ضد إيران (عملية “الغضب الملحمي” الأمريكية وعملية “الأسد الزائر” الإسرائيلية)، يظهر أن هذا التحالف يسعى لفرض واقع جديد يتجاوز حدود الدفاع عن النفس إلى “تغيير الأنظمة” بالقوة، وهو ما يراه مراقبون تكريسًا لنفوذ لا يحترم حدودًا أو مواثيق، ويتجاوز حدود المنطق والعقل كما تجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ.
3. علامة استفهام: ما علاقة أمريكا بإيران؟
تطرح هذه التطورات تساؤلاً جوهريًا: ما هو التفويض الأخلاقي الذي يمنح الولايات المتحدة الحق في التدخل السافر في السياسات الداخلية لإيران وشن حرب تدميرية عليها؟ إيران، رغم الخلافات السياسية الإقليمية، لم تعتدِ عسكريًا على الأراضي الأمريكية، ومع ذلك نجد تحالفًا يسعى لتقويض دولتها وتدمير اقتصادها.
هذا التدخل يثير تساؤلات حول “شرعية القوة”، فهل أصبح مجرد امتلاك دولة ما لبرنامج نووي أو نفوذ إقليمي مبررًا للقوى العظمى لتجاوز ميثاق الأمم المتحدة وشن حروب استباقية؟
4. هل يستفيق العالم؟ (تحليل المسارات)
الاستفاقة تأخذ أشكالًا متعددة؛ فعالميًا، هناك انقسام واضح بين حكومات صامتة وشعوب بدأت تدرك أن هذا الخطاب يهدد السلم العالمي وليس الشرق الأوسط فقط.
وفق استطلاعات الرأي، 73% من الأمريكيين يرفضون الحرب، وفي بريطانيا تتجاوز النسبة 90%، كما أن غالبية الدول الغربية، والصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، ودول أمريكا اللاتينية ترفض هذه السياسات.
عربيًا، فإن هذه التصريحات تعمل كـ “منبه” للهوية المشتركة؛ المسيحية المشرقية والإسلام المشرقي مستهدفان بقدر متساوٍ عند تهميش قيم العدالة، ما يستدعي توحيد الصف العربي والإسلامي والمسيحي والعالمي ضد الحروب المصطنعة التي تهدف إلى السيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها.
5. مقارنة بين منطق القوة ومنطق العدالة
في السياسة الحالية، تعتمد الوسيلة على القوة العسكرية المفرطة والضربات الاستباقية، بينما يظل منطق العدالة متمسكًا بالحوار والقانون الدولي كسبيل للاستقرار.
الهدف المعلن هو الأمن، لكن الممارسات الميدانية تشير إلى السعي للسيطرة والتهجير القسري، بعكس منطق القيم الإنسانية الذي ينشد التعايش والكرامة.
المرجعية في السياسة الحالية هي المصلحة القومية الضيقة والبراجماتية، في حين يستند الضمير الإنساني إلى المبادئ الأخلاقية والروحية التي ترى في الإنسان قيمة عليا لا تخضع لمنطق الربح والخسارة.
خلاصة القول:
التاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تتبنى منطق “القوة فوق الحق” قد تحقق مكاسب سريعة، لكنها تفتقر للاستدامة الأخلاقية التي تحفظ استقرار المجتمعات على المدى الطويل.
الوعي الحقيقي يبدأ بفهم أن هذه التصريحات ليست مجرد “زلة لسان”، بل انعكاس لعقيدة سياسية ترى في المنطقة مسرحًا للصراع الوجودي لا للتعايش.

