دخان الحرائق أخطر من تلوث المرور.. الدراسة تكشف ما لا تظهره خرائط جودة الهواء

دخان الحرائق يرفع مخاطر الربو والسكتات وفشل القلب.. لماذا يختلف عن تلوث المدن؟

قد تعرض خريطة جودة الهواء رقمًا واحدًا للجسيمات الدقيقة، سواء جاءت من دخان حريق غابات أو عوادم السيارات أو النشاط الصناعي، لكن دراسة جديدة تكشف أن هذا التشابه في القياس لا يعني بالضرورة تشابه الخطر على الإنسان.

ففي تحليل شمل 20 ولاية أميركية وأكثر من 57 مليون حالة دخول إلى المستشفيات بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية، ونحو 33 مليون حالة مرتبطة بأمراض الرئة، وجد الباحثون أن التعرض لكمية متساوية من الجسيمات الناتجة عن حرائق الغابات ارتبط بزيادات أكبر في مخاطر دخول المستشفى مقارنة بالجسيمات الناتجة عن مصادر التلوث المعتادة.

وكانت الزيادة الأكثر وضوحًا مرتبطة بالربو، وأمراض الأوعية الدماغية التي تشمل السكتات الدماغية، وفشل القلب.

لكن هناك تفصيل مهم: التلوث التقليدي ما زال يمثل تعرضًا أكبر بكثير من دخان الحرائق في المتوسط، ولذلك فإن الخطر الإجمالي المرتبط به يظل كبيرًا. المشكلة التي تكشفها الدراسة هي أن مصدر الجسيمات نفسه قد يكون مهمًا، وليس فقط كميتها.

دخان الحرائق والمرور.. الرقم نفسه لا يحكي القصة كاملة

عندما تتحدث خرائط جودة الهواء عن الجسيمات الدقيقة، فإنها تقيس تركيز الملوثات في الهواء، لكنها لا تخبر القارئ دائمًا بما إذا كانت هذه الجسيمات جاءت من عادم مركبات، أو منشآت صناعية، أو حريق غابات.

وهذا هو الفارق الذي حاول الباحثون دراسته.

وقاد العمل مين تشانغ وياوجوانغ وي من كلية إيكان للطب في ماونت سيناي، بالاشتراك مع باحثين من كلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة وجامعة ستوني بروك.

وربط الباحثون بيانات التلوث بالمناطق السكنية للمرضى، ثم قارنوا العلاقة بين التعرض للجسيمات القادمة من حرائق الغابات ومعدلات دخول المستشفيات بسبب مجموعة من أمراض القلب والرئة.

دخان الحرائق والمرور.. الرقم نفسه لا يحكي القصة كاملة

16 %زيادة في دخول المستشفيات بسبب الربو

عند مقارنة الزيادة في التعرض بمقدار ميكروجرام واحد من جسيمات دخان الحرائق لكل متر مكعب من الهواء، ارتبط التعرض على مدى عامين بزيادة تقارب:

وفي المقابل، كانت الزيادات المرتبطة بالارتفاع نفسه في الجسيمات القادمة من مصادر أخرى، مثل المرور والصناعة والزراعة، أقل، وتراوحت في التحليل من نحو 4.7% للأمراض الرئوية المزمنة إلى 8.5% لارتفاع ضغط الدم.

وهنا تكمن إحدى أهم نتائج الدراسة: الجسيمات الدقيقة لا تبدو متساوية تمامًا من الناحية الصحية عندما نأخذ مصدرها في الاعتبار.

دخان الحرائق والمرور.. الرقم نفسه لا يحكي القصة كاملة

لماذا قد يكون دخان الحرائق أكثر ضررًا؟

يعتقد الباحثون أن الاختلاف قد يرتبط بخصائص الجسيمات نفسها.

وقال ياجوانج وي، إن جسيمات دخان حرائق الغابات تكون أصغر حجمًا، وهو ما قد يسهل وصولها إلى أجزاء أعمق من الجهاز التنفسي، كما أن الدخان الناتج عن احتراق الأشجار والأعشاب والمباني يمكن أن يحمل مكونات كربونية ومعدنية مختلفة.

وقد تشمل هذه المواد عناصر سامة، من بينها بعض المعادن الثقيلة، إضافة إلى مركبات أخرى قد تكون ضارة بالصحة.

لكن الدراسة لم تحدد بعد أي مكونات دخان الحرائق تحديدًا مسؤولة عن الجزء الأكبر من الضرر الإضافي.

وهذه نقطة مهمة، لأن دخان حريق غابة لا يكون بالضرورة مطابقًا لدخان حريق يلتهم منازل أو سيارات أو منشآت صناعية؛ فالمواد التي تحترق تحدد إلى حد كبير التركيب الكيميائي للدخان.

لماذا قد يكون دخان الحرائق أكثر ضررًا؟

المفارقة: التلوث التقليدي ما زال يمثل التعرض الأكبر

رغم قوة الارتباط بين دخان الحرائق وبعض المخاطر الصحية، لا يعني ذلك أن دخان الحرائق يمثل المصدر الأكبر للتعرض للجسيمات في المناطق التي شملتها الدراسة.

فعلى مستوى الولايات العشرين، بلغ متوسط تركيز الجسيمات المرتبطة بدخان الحرائق نحو 0.29 ميكروغرام لكل متر مكعب، مقابل نحو 7.78 ميكروغرام لكل متر مكعب للجسيمات القادمة من المصادر الأخرى.

أي أن التعرض للتلوث التقليدي كان أعلى بنحو كبير.

ولهذا، عندما يأخذ الباحثون حجم التعرض الفعلي واختلافه من منطقة إلى أخرى في الحسبان، ظل التلوث التقليدي مرتبطًا بخطر إجمالي أكبر في التحليل، لأن مستوياته كانت تتغير بنطاق أوسع بكثير.

إذن الرسالة ليست أن دخان الحرائق أصبح المصدر الأكبر للخطر الصحي في كل مكان، وإنما أن الميكروجرام الواحد من دخان الحرائق قد لا يساوي الميكروجرام الواحد من التلوث المعتاد عندما يتعلق الأمر بالأثر الصحي.

دخان الحرائق أصبح المصدر الأكبر للخطر الصحي في كل مكان

دخان الحرائق لا يهدد القلب والرئة فقط

لم تقتصر النتائج على الأمراض التنفسية.

فقد ارتبط دخان الحرائق بزيادة دخول المستشفيات بسبب أمراض الأوعية الدموية الدماغية وفشل القلب، ما يعزز الأدلة المتزايدة على أن تلوث الهواء يمكن أن يؤثر في الجهاز القلبي الوعائي إلى جانب الرئتين.

وتشير هذه النتائج إلى أهمية النظر إلى دخان الحرائق باعتباره مشكلة صحية جهازية، وليس مجرد مشكلة تتعلق بتهيج العين أو صعوبة التنفس أثناء وجود الدخان.

دراسة ثانية: دخان الحرائق قد يقلل فرص البقاء لدى مرضى سرطان الرئة

وفي دراسة مرتبطة نُشرت قبل ذلك بيومين في دورية The Lancet Oncology، انتقل الباحثون من سؤال دخول المستشفى إلى سؤال أكثر خطورة: هل يمكن أن يرتبط التعرض طويل الأمد لدخان الحرائق بزيادة خطر الوفاة لدى المصابين بسرطان الرئة؟

تابعت الدراسة 414,016 شخصًا تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، وكانوا قد شُخّصوا بسرطان الرئة، باستخدام سجلات السرطان والرعاية الصحية ضمن برنامج SEER المرتبط ببيانات Medicare.

ووجد الباحثون أن كل زيادة بمقدار ميكروغرام واحد من جسيمات دخان حرائق الغابات لكل متر مكعب ارتبطت بزيادة قدرها 7.8% في خطر الوفاة لدى هذه المجموعة.

وبالنسبة إلى الزيادة نفسها في الجسيمات القادمة من المصادر الأخرى، بلغ الارتباط نحو 1.7%.

وتشير الدراسة إلى أن دخان الحرائق ارتبط بنحو 700 وفاة سنويًا في هذه المجموعة، مقابل نحو 3470 وفاة مرتبطة بالجسيمات الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن التعرض للجسيمات التقليدية كان أعلى بنحو 23 مرة.

لكن هذه النتائج أيضًا ارتباطات إحصائية وليست إثباتًا بأن دخان الحرائق تسبب مباشرة في كل وفاة.

من يتحمل العبء الأكبر؟

وجد الباحثون أن الارتباطات بين التعرض للجسيمات ودخول المستشفيات كانت أقوى لدى المرضى من أصول إسبانية ولدى مجموعات عرقية وإثنية أخرى، كما ظهرت ارتباطات أقوى في المناطق الحضرية والمجتمعات التي تعاني من مستويات أقل من التحصيل التعليمي وحرمان اجتماعي واقتصادي أكبر.

ويشير الباحثون إلى أن هذه الفروق قد ترتبط بمجموعة من العوامل، بينها اختلاف مستويات التعرض، وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، والموارد المتاحة لحماية الأسر من الهواء الملوث.

كما ظهرت مخاطر أعلى لدى الأشخاص المصابين بالسمنة أو السكري بالنسبة إلى معظم الحالات الصحية التي جرى تحليلها، بما يتسق مع أدلة سابقة على أن بعض الفئات التي لديها أمراض مزمنة قد تكون أكثر عرضة لآثار تلوث الهواء.

تغير المناخ يجعل دخان الحرائق مشكلة أكبر

تكتسب النتائج أهمية إضافية مع تزايد نشاط حرائق الغابات في أجزاء من العالم، وما يرتبط بذلك من ارتفاع في انبعاثات الجسيمات الدقيقة.

ويشير الباحثون إلى توقعات يمكن أن تصل فيها تركيزات الجسيمات الناتجة عن حرائق الغابات إلى 10 ميكروغرامات لكل متر مكعب في بعض المناطق تحت سيناريوهات مناخية مستقبلية.

وهذا يعني أن المشكلة لا تتعلق فقط بأن دخان الحرائق قد يكون أكثر ضررًا لكل وحدة من الجسيمات، وإنما أيضًا بأن كمية هذا النوع من التلوث قد تزداد مع تغير أنماط الحرائق والمناخ.

وفي الولايات المتحدة، يقول الباحثون إن دخان الحرائق أصبح من أسرع مصادر تلوث الجسيمات نموًا، ما يضع تحديًا إضافيًا أمام سياسات جودة الهواء التي صُممت تاريخيًا بدرجة كبيرة للتعامل مع مصادر مثل السيارات والمنشآت الصناعية.

لماذا لا تكفي قواعد جودة الهواء الحالية؟

تاريخيًا، ساهم قانون الهواء النظيف في الولايات المتحدة في خفض مستويات العديد من ملوثات الهواء الناتجة عن مصادر بشرية، لكن الزيادة في دخان حرائق الغابات يمكن أن تقلل جزءًا من هذه المكاسب.

ويشير الباحثون إلى أن دخان الحرائق لا يدخل بالطريقة نفسها في بعض آليات تقييم الالتزام بالمعايير الفيدرالية لجودة الهواء، وهو ما يثير سؤالًا حول كيفية التعامل مع مصدر تلوث يتزايد دوره مع تغير المناخ.

كما أن التعرض للدخان لا يظل محليًا بالضرورة.

فالرياح والظروف الجوية يمكن أن تحمل دخان الحرائق لمسافات بعيدة جدًا، وقد يصل في الحالات القصوى إلى آلاف الأميال بعيدًا عن موقع الحريق.

وبالتالي، قد يتحول حريق في منطقة نائية إلى مشكلة صحية لسكان مدن ومناطق بعيدة تمامًا عن النيران.

أين تكمن حدود الدراسة؟

رغم ضخامة قاعدة البيانات، هناك قيود مهمة يجب أخذها في الاعتبار.

فالباحثون لم يقيسوا كمية الهواء التي استنشقها كل شخص فعليًا، بل اعتمدوا على تقديرات للتلوث مرتبطة بالرمز البريدي لمكان السكن.

كما استخدم نموذج تقدير للدخان يعتمد على خلايا مساحتها نحو 10 كيلومترات، ما يعني أن شخصين يعيشان في المنطقة نفسها يمكن أن يحصلَا على التقدير نفسه، رغم اختلاف الوقت الذي يقضيانه في الهواء الطلق أو داخل المباني.

كما أن بيانات دخول المستشفيات في الدراسة تغطي 20 ولاية وتتوقف عند عام 2019، أي قبل بعض مواسم الحرائق شديدة النشاط التي شهدتها الولايات المتحدة في السنوات اللاحقة.

أما دراسة سرطان الرئة، فلم تتمكن من أخذ تاريخ التدخين في الحسبان، وهو عامل مهم للغاية عند دراسة خطر الوفاة لدى مرضى سرطان الرئة.

كما لم يتمكن الباحثون من تحديد نوع المادة التي كانت تحترق في كل حريق، وبالتالي لا يمكن الجزم بأن جميع أنواع دخان الحرائق تحمل التركيب نفسه أو مستوى الخطر نفسه.

السؤال التالي: ما الذي يجعل دخان الحرائق مختلفًا؟

يركز الباحثون الآن على تحديد المكونات الكيميائية والجسيمات الأكثر ارتباطًا بالضرر الصحي، وفهم الطريقة التي تدخل بها هذه المكونات إلى الجسم وتؤثر في القلب والرئتين والأعضاء الأخرى.

وهذه الخطوة قد تكون مهمة لتطوير سياسات أكثر دقة؛ لأن التعامل مع دخان الحرائق على أنه مجرد «كمية إضافية من PM2.5» قد لا يعكس بالضرورة الاختلاف في السمية بين مصادر الجسيمات المختلفة.

وفي الوقت الحالي، تبقى إجراءات تقليل التعرض هي خط الدفاع المباشر أثناء موجات الدخان، ومنها متابعة جودة الهواء، وتقليل النشاط الخارجي، وإبقاء الهواء الداخلي نظيفًا قدر الإمكان، واستخدام أجهزة تنقية مناسبة عند الحاجة.

وتحذر نتائج الدراستين من أن أزمة حرائق الغابات لا تقاس فقط بمساحة الغابات المحترقة أو قيمة الممتلكات المدمرة، فالدخان نفسه يمكن أن يحمل فاتورة صحية تمتد بعيدًا عن موقع الحريق.

والأهم أن خريطة جودة الهواء قد تعرض رقمًا واحدًا للجسيمات، بينما تكشف بيانات المستشفيات أن مصدر هذا الرقم قد يكون مهمًا بقدر الرقم نفسه.

ونُشرت الدراسة الأساسية في دورية Nature Communications، بينما نُشرت دراسة سرطان الرئة المرتبطة بها في The Lancet Oncology.

Exit mobile version