خفض الانبعاثات ليس كافيًا.. كيف تؤثر القوانين الصارمة على القيم البيئية؟

لماذا قد تؤدي القوانين المناخية الإلزامية إلى إضعاف الدافع نحو السلوك الأخضر؟

تتجلى جهود العمل المناخي في اختيارات يومية بسيطة، مثل تقليل استخدام السيارات داخل المدن، وخفض استهلاك الطاقة في المنازل، والحد من السفر الجوي، أو تغيير الأنماط الغذائية، كثير من الناس يدعمون هذه الممارسات بالفعل، بل ويطبقونها طواعية باعتبارها وسائل عملية لخفض الانبعاثات.

غير أن هذا الدعم لا يستمر دائمًا عندما تحوّل الحكومات تلك السلوكيات إلى قوانين إلزامية، وتكشف أبحاث جديدة أسباب هذا التناقض.

تشير الدراسة إلى أن بعض السياسات المناخية قد تُضعف الدافع بدلًا من تعزيزه، فالمشكلة لا تكمن في هدف خفض الانبعاثات ذاته، وإنما في طريقة تصميم القواعد وفرضها.

لا تغيّر السياسات السلوك فقط، بل تؤثر أيضًا في القيم الشخصية وإحساس الأفراد بالاستقلالية، وعندما يشعر الناس بأن القوانين المناخية تفرض السيطرة على حياتهم اليومية، يتراجع دعمهم للعمل المناخي.

هنا يبرز دور علم النفس البشري، الذي لا يقل أهمية عن التكنولوجيا أو الاقتصاد في تحقيق نجاح طويل الأمد للسياسات البيئية.

القوانين المناخية الإلزامية

القيم ودورها في دعم العمل المناخي

تفترض النماذج الاقتصادية التقليدية أن الأفراد يتصرفون بدافع المصلحة الشخصية فقط، وأن القيم ثابتة لا تتأثر بالسياسات، غير أن الباحثين يشككون في هذا الافتراض، مؤكدين أن القيم يمكن أن تتغير تبعًا لطريقة تصميم السياسات.

يمتلك كثير من المواطنين بالفعل قيمًا بيئية تحفزهم على تبني سلوكيات مستدامة، مثل استخدام الدراجات، وخفض التدفئة، وتجنب السفر غير الضروري.

لكن القوانين الإلزامية المصممة بشكل سيئ قد تُضعف هذا الدافع الداخلي، وهي ظاهرة تُعرف في علم النفس والاقتصاد باسم «إزاحة الدافع الداخلي»، حيث يؤدي التحكم الخارجي إلى تقليص الحافز الذاتي.

وتقول كاترين شميلز، الباحثة الرئيسية في الدراسة: «السياسات لا تدفع السلوك المستهدف فقط، بل يمكنها أيضًا تغيير القيم الأساسية للأفراد، ما يؤدي أحيانًا إلى آثار سلبية غير مقصودة، أو على العكس، إلى ترسيخ قيم بيئية إيجابية».

القوانين المناخية الإلزامية

عندما تأتي القوانين بنتائج عكسية

تُظهر نتائج الاستطلاعات أن مقاومة الجمهور تزداد عندما تتحول الإجراءات المناخية من طوعية إلى إلزامية، فقيود مثل حظر السيارات أو تقليص استهلاك اللحوم كثيرًا ما تثير الغضب والإحباط.

حتى الأفراد الداعمون للاستدامة قد يتفاعلون سلبًا بمجرد دخول الإلزام القانوني إلى تفاصيل حياتهم اليومية، وهي استجابة يصفها الاقتصاديون بـ«النفور من السيطرة»، ويُطلق عليها علم النفس مفهوم «رد الفعل العكسي» عندما يشعر الناس بأن حريتهم مهددة.

القوانين المناخية الإلزامية

مقارنة لافتة مع سياسات كوفيد-19

كشفت الدراسة أن مقاومة القوانين المناخية الإلزامية كانت أعلى بنسبة 52% مقارنة بمقاومة إجراءات الإغلاق خلال جائحة كوفيد-19، وهي إجراءات شهدت بالفعل احتجاجات واسعة وصراعات سياسية.

ويحذر الباحث صامويل بولز من أن التحدي المناخي قد يواجه مقاومة اجتماعية أشد، رغم توافر التكنولوجيا اللازمة للانتقال إلى أنماط حياة منخفضة الكربون، ما يجعل القبول المجتمعي العقبة الأكبر.

كيف تُخفف السياسات من المقاومة؟

لا تثير جميع القوانين الدرجة نفسها من الرفض، فحين يعتقد الناس أن السياسة فعالة فعلًا في خفض الانبعاثات، يتراجع الاعتراض. كما يقل الرفض عندما تتيح السياسات بدائل واقعية تحافظ على حرية الاختيار.

وتبرز ألمانيا مثالًا على ذلك، حيث واجهت قيود الرحلات الجوية القصيرة مقاومة أقل بفضل توافر شبكة سكك حديدية قوية توفر بديلًا عمليًا.

في المقابل، تُقابل السياسات التي تمس الخصوصية أو التحكم الجسدي، مثل تنظيم الطعام أو درجة حرارة المنازل، بمقاومة أشد لأنها تُعد تدخّلًا مباشرًا في الحياة الشخصية.

القوانين المناخية الإلزامية

دور الإلزام في التحول الأخضر

لا تدعو الدراسة إلى التخلي عن القوانين الإلزامية، بل إلى استخدامها بذكاء، فقد تكون القواعد المؤقتة ضرورية لدفع المجتمع نحو نقطة تحول، كما في تسريع تبني السيارات الكهربائية، قبل أن يصبح السلوك الأخضر هو القاعدة السائدة طوعًا.

لكن تصميم السياسات يجب أن يراعي الدعم السياسي طويل الأمد، لأن القوانين التي تضعف الثقة قد تعرقل جهود المناخ مستقبلًا، وتولّد مقاومة تمتد إلى سياسات ومؤسسات أخرى.

واختتم الباحثون دراستهم بالتأكيد على أن نجاح العمل المناخي يعتمد على فهم البشر بقدر ما يعتمد على خفض الانبعاثات، مشيرين إلى أن الدراسة شملت استطلاع آراء 3306 بالغين في ألمانيا، ونُشرت في مجلة «نيتشر للاستدامة».

Exit mobile version