حذرت الأمم المتحدة من أن الزيادة الكبيرة في حرائق الغابات وموجات الحر، التي يفاقمها تغير المناخ، تهدد بإعاقة التحسن الذي شهدته جودة الهواء في مناطق مختلفة من العالم، وسط تداعيات صحية وبيئية خطيرة.
وأوضح تقرير جديد للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن المناطق التي نجحت خلال السنوات الماضية في خفض مستويات التلوث الناتج عن السيارات والمنشآت الصناعية تواجه تهديدات جديدة لجودة الهواء، بسبب الدخان المنبعث من حرائق الغابات، في وقت تؤدي فيه درجات الحرارة المرتفعة وموجات الحر الشديدة إلى زيادة مستويات الأوزون القريب من سطح الأرض.
وتسهم ملوثات الهواء الناتجة عن هذه الظواهر المرتبطة بتغير المناخ، بدورها، في تفاقم أزمة المناخ، بما يخلق حلقة تغذية مرتدة تهدد بدفع العالم إلى مزيد من التدهور البيئي.
وقال لورنزو لابرادور، المسؤول العلمي في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، إن جودة الهواء والمناخ لا يمكن التعامل معهما باعتبارهما قضيتين منفصلتين، مشددًا على أن “هما مترابطان بصورة عميقة، ويجب التعامل معهما معًا”.
حرائق الغابات تهدد الصحة العامة
وبحسب النشرة السنوية للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية بشأن جودة الهواء والمناخ، فإن حرائق الغابات الشديدة تتزايد، ما يفرض تهديدًا متناميًا على الصحة العامة بسبب سمية الدخان المنبعث منها.
وأشار التقرير إلى أن هذا الاتجاه مدفوع بحلقة تغذية مرتدة بين تغير المناخ والظروف الجوية الملائمة لاندلاع الحرائق، وهو ما يحول حرائق الغابات إلى “تهديد صحي عام ملح ومتزايد”.
ويحمل دخان حرائق الغابات تركيزات مرتفعة من الجسيمات الدقيقة، كما يمكن أن يؤدي التعرض له إلى حدوث إجهاد تأكسدي داخل جسم الإنسان.
ووفقًا للتقرير، تربط المراجعات المنهجية والدراسات التجريبية بصورة متسقة بين التعرض لدخان حرائق الغابات وزيادة نوبات الربو، ودخول المستشفيات بسبب مرض الانسداد الرئوي المزمن، وزيادة استخدام أدوية الجهاز التنفسي، إلى جانب تأثيرات في الصحة النفسية ونتائج الحمل والولادة.
وأشار التقرير، استنادًا إلى إحدى الدراسات التي استشهد بها، إلى أن تضاعف عدد حرائق الغابات ثلاث مرات منذ تسعينيات القرن الماضي أسهم في نحو 100 ألف وفاة سنويًا خلال الفترة بين عامي 2010 و2018.
موجات الحر تزيد تلوث الأوزون
وأثار التقرير أيضًا مخاوف بشأن تلوث الهواء بالأوزون القريب من سطح الأرض، الذي يتفاقم مع موجات الحر الشديدة والممتدة، كتلك التي شهدتها مناطق من أوروبا خلال الصيف الماضي.
وأوضح لابرادور أن الأوزون يعد مؤكسدًا قويًا، وعندما يصل إلى الرئتين يمكن أن يؤدي إلى أكسدة أنسجة الرئة والتسبب في الالتهابات ومشكلات الدورة الدموية، وصولًا إلى مشكلات القلب.
وأشار التقرير إلى أن نحو حالة وفاة واحدة من كل خمس حالات وفاة بسبب مرض الانسداد الرئوي المزمن في المناطق شديدة التلوث تُعزى حاليًا إلى التعرض طويل الأمد للأوزون.
الجسيمات الدقيقة.. خطر مزدوج على الصحة والمناخ
تتضمن النشرة السنوية للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية بيانات بشأن التغيرات غير المعتادة في تركيزات الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5.
وتشير هذه الجسيمات إلى جسيمات وقطيرات مجهرية يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، وتُعد من أخطر ملوثات الهواء على صحة الإنسان، نظرًا لقدرتها على اختراق أعماق الرئتين والوصول إلى مجرى الدم.
ولا تقتصر مخاطر PM2.5 على الصحة العامة، إذ تمثل هذه الجسيمات أيضًا عاملًا مهمًا يؤثر في المناخ.
وتنبعث الجسيمات الدقيقة من الأنشطة الصناعية المعتمدة على الوقود الأحفوري، والزراعة، والتدفئة المنزلية، ووسائل النقل، إضافة إلى حرائق الغابات والعواصف الترابية.
ويُطلق على خليط الجسيمات والهواء اسم “الهباء الجوي”، ويمكن لهذا الهباء، بمجرد وصوله إلى الغلاف الجوي، أن يؤثر في مناخ الأرض من خلال تغيير خصائص السحب وعمرها ودرجة سطوعها، وبالتالي التأثير في الطريقة التي تؤثر بها السحب في مناخ الكوكب.
السخام يسرّع ذوبان الجليد
لا تبقى الجسيمات الدقيقة عالقة في الغلاف الجوي إلى الأبد، إذ تستقر في نهاية المطاف على سطح الأرض، حيث يمكن أن تؤثر أيضًا في المناخ.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ترسب الكربون الأسود، أو السخام، على الثلوج والجليد. وعندما تترسب هذه الجسيمات على الأسطح الجليدية، فإنها تجعلها أكثر قتامة، وتقلل قدرتها على عكس أشعة الشمس إلى الفضاء.
ويؤدي ذلك إلى تسريع الاحترار العالمي وذوبان الجليد، بما يعزز بدوره التغير المناخي.
وصف التقرير هذه العملية بأنها حلقة تغذية مرتدة مناخية؛ إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وتغير استخدامات الأراضي إلى زيادة انبعاثات الهباء الجوي، بما في ذلك الدخان والغبار، ثم يساهم ترسب هذه المواد على الثلوج والجليد في تسريع ذوبانها، وهو ما يعزز الاحترار مرة أخرى.
خفض الانبعاثات الحل الأكثر فاعلية
وشددت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على ضرورة التعامل مع تغير المناخ وتلوث الهواء ضمن سياسة واحدة، نظرًا للترابط الوثيق بينهما.
وقال لابرادور إن خفض انبعاثات غازات الدفيئة يؤدي في الوقت نفسه إلى تقليل انبعاثات المواد التي تؤدي إلى تدهور جودة الهواء.
وأضاف أن الحل الأفضل يتمثل في خفض انبعاثات غازات الدفيئة على مستوى العالم، إلى جانب الحد من حرق الوقود الأحفوري.
ويؤكد التقرير أن مواجهة تلوث الهواء لا تنفصل عن مواجهة تغير المناخ؛ فالإجراءات التي تستهدف تقليل حرق الوقود الأحفوري والانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري يمكن أن تحقق فوائد مزدوجة، من خلال الحد من الاحترار العالمي وتحسين جودة الهواء وحماية صحة الإنسان.
