حرب إيران تهدد بإبقاء النفط والديزل مرتفعي الأسعار حتى 2028.. أزمة الطاقة قد تستمر بعد توقف القتال
أسواق النفط تراهن على أزمة طويلة..الديزل يشعل فاتورة الغذاء والنقل.. والحرب تهدد بإطالة أزمة التضخم العالمي
لم تعد أسواق النفط العالمية تتعامل مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران باعتبارها صدمة مؤقتة تنتهي سريعًا بعودة الإمدادات إلى طبيعتها؛ فمع دخول الحرب شهرها الثامن، تتزايد الرهانات على استمرار ارتفاع أسعار النفط حتى عام 2028، وسط تراجع المخزونات وتضرر قدرات التكرير واضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وتشير قراءة لأسواق العقود الآجلة، نشرها الكاتب المتخصص في شؤون الطاقة رون بوسو في وكالة «رويترز» يوم 15 أكتوبر 2026، إلى أن تداعيات الحرب قد تتجاوز الارتفاع المباشر في أسعار الخام، لتؤثر في التضخم العالمي وتكاليف النقل والصناعة والزراعة والغذاء.
وبحسب التقرير، ارتفعت عقود خام برنت للتسليم في ديسمبر 2027 بأكثر من 13% منذ بداية سبتمبر، لتصل إلى نحو 86 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى تسجله هذه العقود. كما صعدت عقود ديسمبر 2026 بنحو 12%.
ولا تعني أسعار العقود الآجلة أن السوق تتوقع بالضرورة وصول النفط إلى هذه المستويات في موعد التسليم؛ لكنها تعكس استعداد الشركات والمتعاملين للتحوط من احتمال استمرار الأسعار المرتفعة، بدلًا من افتراض عودة سريعة إلى الأوضاع السابقة للحرب.
لماذا قد تستمر أزمة النفط بعد انتهاء الحرب؟
تتمثل المشكلة الرئيسية في أن الصدمة لم تعد مرتبطة فقط بحجم النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، بل بقدرة النظام العالمي للطاقة على استعادة المخزونات وإصلاح المصافي المتضررة وإعادة بناء سلاسل الإمداد.
ووفقًا لتحليل «رويترز»، تتراجع تدريجيًا المخزونات البرية التي ساعدت على امتصاص الصدمة الأولى، بينما لا تزال عودة صادرات النفط عبر مضيق هرمز هشة، مع استمرار المخاطر الأمنية وتضاؤل فرص التسوية الدبلوماسية.
ورغم اقتراب تدفقات النفط عبر المضيق من مستويات ما قبل الحرب خلال الأسابيع الأخيرة، بمساعدة الدعم البحري الأمريكي، فإن الهجمات على السفن والتهديدات بمزيد من الاضطرابات تعيد المخاطر إلى واجهة السوق.
وامتد التصعيد إلى مناطق أخرى من الخليج؛ إذ تحدث التقرير عن تكثيف جماعة الحوثيين في اليمن هجماتها الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على السعودية، بما في ذلك هجمات استهدفت منشآت مرتبطة بشركة أرامكو.
هذه المخاطر ترفع تكلفة وصول النفط إلى الأسواق، ليس فقط بسبب احتمالات نقص الإمدادات، وإنما أيضًا بسبب ارتفاع نفقات الشحن والتأمين والحماية العسكرية وتعقيد المسارات اللوجستية.
وبحسب تقديرات التقرير، تقترب هذه التكاليف من ثلث تكلفة نقل برميل النفط من المنطقة، مقارنة بنحو 3% قبل الحرب، ما يعني أن جزءًا من علاوة المخاطر قد يستمر حتى إذا تحسنت حركة الإمدادات، ما لم تُحل الأزمة الأمنية بصورة مستدامة.

فائض نفطي متوقع في 2027.. فلماذا تظل الأسعار مرتفعة؟
تكشف توقعات وكالة الطاقة الدولية عن مفارقة مهمة في سوق النفط؛ إذ تتوقع الوكالة ارتفاع الإمدادات العالمية إلى 108.3 مليون برميل يوميًا في عام 2027، مقارنة بنحو 100.7 مليون برميل يوميًا في 2026، مع تعافي صادرات الشرق الأوسط.
وفي المقابل، يُتوقع أن يرتفع الطلب العالمي من 102.4 مليون برميل يوميًا إلى 104.4 مليون برميل يوميًا خلال الفترة نفسها.
وتشير هذه التقديرات، إذا تحققت، إلى احتمال وجود فائض كبير في المعروض خلال العام المقبل، وهو عامل يفترض عادة أن يضغط على الأسعار نحو الانخفاض.
لكن استمرار ارتفاع العقود الآجلة بعيدة الأجل يعكس شكوك المتعاملين في قدرة الإمدادات على التعافي وفق السيناريو المتوقع، أو في استمرار هذا التعافي مدة كافية لإعادة بناء المخزونات وتخفيف المخاطر.
وهنا تظهر نقطة جوهرية: توقع زيادة الإنتاج لا يعني تلقائيًا انخفاض الأسعار، إذا ظلت الإمدادات معرضة للاضطراب وكانت تكاليف نقلها وتأمينها مرتفعة.
الديزل.. الخطر الأكبر على تكاليف الغذاء والنقل والصناعة
قد تكون تداعيات ارتفاع أسعار الديزل أكثر اتساعًا من تأثير ارتفاع النفط الخام وحده؛ فالديزل هو الوقود الذي تعتمد عليه الشاحنات والسفن والآلات الزراعية ومصانع عديدة، ولذلك ينتقل ارتفاع تكلفته إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وبحسب التقرير، سجلت العقود الأوروبية القياسية للديزل مستوى قياسيًا بلغ 1480 دولارًا للطن في منتصف سبتمبر، بما يعادل نحو 210 دولارات للبرميل، وسط نقص حاد في الإمدادات نتيجة الاضطرابات في الشرق الأوسط وروسيا.
وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسمح باستئناف جزء من صادرات الديزل الروسية، فإن الكميات الإضافية المشار إليها في الإعلان محدودة للغاية مقارنة بالاستهلاك العالمي، وفقًا لتحليل «رويترز».
وتفاقمت أزمة الديزل أيضًا بفعل تراجع قدرات التكرير الروسية، بعد هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مصافي النفط منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، إلى جانب القيود الروسية على صادرات الوقود التي أُقرت خلال العام الحالي.
وارتفعت العقود الأوروبية للديزل للتسليم في ديسمبر 2027 إلى أكثر من 1000 دولار للطن، مقارنة بنحو 644 دولارًا قبل الحرب، في إشارة إلى أن السوق لا تتوقع انتهاء ضغوط الإمدادات سريعًا.
وتكمن خطورة هذه الزيادة في أن الديزل يدخل في تكلفة نقل المحاصيل والأسمدة والسلع، وتشغيل المعدات الزراعية وخطوط الإنتاج. وإذا استمرت الأسعار مرتفعة، فقد تواجه الشركات تكاليف تشغيل أعلى، بينما قد تنتقل أجزاء من هذه الزيادة إلى المستهلكين عبر أسعار النقل والمنتجات الغذائية والسلع الصناعية.

فاتورة الطاقة تعيد التضخم إلى دائرة الخطر
تأتي هذه التطورات في وقت سجل فيه التضخم السنوي في الولايات المتحدة 3.7% خلال سبتمبر، وفقًا للبيانات التي أشار إليها التقرير، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
ومع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل، يصبح احتواء التضخم أكثر صعوبة، خصوصًا إذا استمرت الضغوط في قطاعات الطاقة والسلع الأساسية.
وقد تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة معقدة: ارتفاع تكاليف الطاقة يضغط على الأسر والشركات، بينما قد يضطر استمرار التضخم صناع السياسة النقدية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة مدة أطول، بما يزيد تكلفة الاقتراض والاستثمار.
ولا يقتصر الأثر على الولايات المتحدة؛ إذ يمكن لارتفاع أسعار الوقود والشحن أن ينعكس على الاقتصادات المستوردة للطاقة من خلال زيادة تكلفة الواردات والنقل والإنتاج، مع اختلاف حجم التأثير بحسب سياسات الدعم وسعر الصرف ومصادر الإمداد في كل دولة.

هل أصبح ارتفاع أسعار الطاقة واقعًا طويل الأمد؟
على مدار الأشهر الأولى للحرب، تعاملت الأسواق مع الأزمة باعتبارها اضطرابًا جيوسياسيًا حادًا، يُتوقع أن يتبعه تعافٍ سريع بمجرد تراجع القتال وعودة حركة الشحن إلى طبيعتها.
لكن استمرار الحرب وتراجع المخزونات وتضرر قدرات التكرير يغيران هذه المعادلة؛ إذ لم يعد السؤال مقتصرًا على كمية النفط التي يمكن نقلها عبر مضيق هرمز، بل أصبح مرتبطًا بسرعة استعادة البنية التحتية وسلاسل الإمداد والقدرة الإنتاجية التي تضررت خلال أشهر الصراع.
وتشير هذه التطورات إلى أن أسعار الطاقة قد تظل تحت ضغط حتى بعد توقف إطلاق النار، إذا استمرت تكاليف التأمين والشحن مرتفعة، أو تأخر إصلاح المصافي واستعادة المخزونات.

ومع ذلك، فإن استمرار ارتفاع الأسعار حتى 2028 ليس نتيجة محسومة؛ فالمسار الفعلي سيعتمد على تطورات الحرب، ومدى استقرار الملاحة في مضيق هرمز، وسرعة تعافي الإنتاج والتكرير، وحجم الطلب العالمي، وما إذا كان فائض المعروض المتوقع في 2027 سيتحقق بالفعل.
الخلاصة: لا تتوقف تداعيات الحروب على الطاقة عند برميل النفط الذي يتعذر وصوله إلى السوق؛ فقد تمتد إلى تكلفة نقل الغذاء وتشغيل المصانع والزراعة، وتزيد الضغوط التضخمية حتى بعد انحسار المواجهات. ويظل الديزل أحد أهم مفاتيح فهم هذه الأزمة، لأنه ينقل صدمة الطاقة إلى تفاصيل الحياة اليومية وتكاليف الإنتاج والاستهلاك.





