الأرض قد لا تعود كما كانت.. تجاوز حدود الاحترار مؤقتًا يترك آثارًا لآلاف السنين
تجاوز هدف الاحترار ليس مؤقتًا كما نعتقد.. المحيطات والتربة الصقيعية قد لا تتعافى
قد يبدو تجاوز أحد أهداف الاحترار العالمي لفترة مؤقتة وكأنه مشكلة يمكن إصلاحها بمجرد انخفاض درجات الحرارة مجددًا، لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.
فحتى إذا عادت درجات الحرارة العالمية إلى مستوى مستهدف بعد فترة من التجاوز، فإن بعض مكونات نظام الأرض، وعلى رأسها المحيطات والتربة الصقيعية، قد لا تعود إلى حالتها السابقة، وقد تستمر بعض آثار الاحترار لقرون أو حتى آلاف السنين.
وتشير النتائج إلى أن مدة بقاء الحرارة فوق الحد المستهدف لا تقل أهمية عن مقدار ارتفاعها، ما يطرح تحديًا جديدًا للطريقة التي يجري بها تقييم مخاطر تجاوز أهداف المناخ.
ونُشرت الدراسة في دورية Communications Earth & Environment.

42 زوجًا من السيناريوهات المناخية
قاد الدراسة باحثون من جامعة كونكورديا وجامعة سايمون فريزر، واستخدموا نموذج النظام المناخي للأرض التابع لجامعة فيكتوريا لمحاكاة 42 زوجًا من السيناريوهات المناخية.
وفي كل زوج، تجاوز أحد السيناريوهين هدفًا محددًا للاحترار قبل أن يعود في النهاية إلى المستوى المستهدف، بينما حافظ السيناريو الآخر على بقائه تحت الحد نفسه طوال فترة المحاكاة.
وأتاح هذا التصميم للباحثين مقارنة مسارين مختلفين يصلان في النهاية إلى النقطة نفسها: مسار يتضمن فترة من الاحترار الزائد، وآخر أكثر استقرارًا لا يتجاوز الحد.
وكانت السيناريوهات داخل كل زوج تتضمن إجماليًا متساويًا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول نهاية المحاكاة، ما يعني أن الاختلاف الأساسي كان في مسار درجات الحرارة وتوقيتها، وليس في إجمالي الانبعاثات النهائية.
«سنوات الدرجات».. مقياس جديد لخطورة التجاوز
طور الباحثون مقياسًا أطلقوا عليه «سنوات الدرجات» (Degree-years) لقياس تأثير تجاوز أهداف الاحترار.
ويجمع هذا المقياس بين عاملين رئيسيين: مقدار تجاوز درجة الحرارة للهدف، والمدة التي ظلت خلالها الحرارة أعلى من ذلك الهدف.
وبذلك، يمكن لارتفاع حاد وقصير في درجات الحرارة أن ينتج قيمة مشابهة لتجاوز أقل حدة لكنه يستمر فترة أطول.
وعند تطبيق هذا المقياس على السيناريوهات المختلفة، وجد الباحثون علاقة شبه خطية بين عدد «سنوات الدرجات» وبين مقدار عدم تعافي بعض المتغيرات المناخية بعد انتهاء فترة التجاوز.
وبالنسبة إلى عدد من المتغيرات المرتبطة بالمحيطات والتربة الصقيعية، فسّر هذا المؤشر نحو 90% أو أكثر من الاختلافات بين السيناريوهات في مدى استمرار آثار التجاوز.
واللافت أن العلاقة ظلت قائمة بغض النظر عن مقدار ذروة الحرارة التي وصلت إليها السيناريوهات.
التربة الصقيعية.. خسارة الكربون قد لا تُستعاد
كانت التربة الصقيعية من أكثر مكونات النظام المناخي مقاومة للتعافي بعد انتهاء فترة الاحترار الزائد.
وأظهرت المحاكاة أنه بمجرد فقدان جزء من الكربون المخزن في التربة الصقيعية نتيجة التجاوز الحراري، كان التعافي محدودًا للغاية حتى بعد عودة درجات الحرارة إلى مستوياتها الأساسية.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن استعادة مخزونات الكربون في التربة الصقيعية بعد فقدانها قد تستغرق آلاف السنين.
وهذا يعني أن خفض درجات الحرارة بعد فترة من الاحترار الزائد لا يؤدي بالضرورة إلى إعادة النظم الأرضية إلى نقطة البداية.

المحيطات تحتفظ بالحرارة لفترة طويلة
أظهرت المتغيرات المرتبطة بالمحيطات نمطًا مشابهًا، خصوصًا ارتفاع مستوى سطح البحر، وارتفاع حرارة المحيطات، ومستويات الأكسجين في المياه.
ويرتبط ذلك بالطبيعة البطيئة لتبادل الحرارة والأكسجين داخل المحيط.
فالحرارة الإضافية التي تمتصها الطبقات السطحية خلال فترة التجاوز يمكن أن تنتقل إلى المياه العميقة، ولا سيما على أعماق تتراوح بين 200 و1000 متر.
وبمجرد انتقال هذه الحرارة إلى الأعماق، يصبح تبادلها مع الغلاف الجوي أبطأ بكثير، ما يسمح بامتداد تأثير الاحترار لفترة طويلة بعد انتهاء الارتفاع المؤقت في درجات الحرارة.
كما يمكن أن يؤدي اضطراب دوران الأكسجين داخل المحيطات إلى ترك بصمة كيميائية طويلة الأمد في المياه العميقة.
اضطراب في دوران المحيط الأطلسي
رصد الباحثون أيضًا سلوكًا بطيئًا في التعافي بالنسبة إلى قوة أحد أنماط الدوران الرئيسية في المحيط الأطلسي.
ويرتبط هذا السلوك بتغذية راجعة داخلية بطيئة في النظام المحيطي، وليس فقط بانتقال الحرارة.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأن أنماط الدوران في شمال الأطلسي تؤثر في المناخ على نطاق واسع، وبالتالي فإن استمرار اضطرابها قد يمتد تأثيره إلى مناطق تتجاوز المحيط نفسه.
لكن الدراسة لم تجد أن جميع مكونات النظام المناخي تتصرف بالطريقة نفسها.
بعض مكونات المناخ تتعافى بسرعة أكبر
في المقابل، أظهرت بعض المتغيرات قدرة أكبر على التعافي، بل إن بعضها عاد إلى حالته السابقة بوتيرة أسرع من عودة متوسط درجة حرارة الكوكب.
ومن بين هذه المتغيرات تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وكيمياء الكربون في سطح المحيط.
ويرتبط ذلك جزئيًا باستمرار قدرة المحيطات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون حتى خلال فترة انخفاض درجات الحرارة.
وهذا الاختلاف بين مكونات النظام المناخي يكشف أن مفهوم «التعافي» بعد تجاوز الاحترار ليس عملية واحدة ومتزامنة، بل يختلف باختلاف النظام المتأثر وآليات استجابته.
ذروة الحرارة ليست القصة كاملة
تسلط الدراسة الضوء على مشكلة أساسية في الطريقة التي يجري بها عادة الحديث عن أهداف الاحترار العالمي.
فغالبًا ما يتم اختزال المخاطر المناخية في أعلى درجة حرارة يصل إليها العالم، مثل تجاوز حد معين لفترة محدودة.
لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا المقياس وحده لا يكفي.
فـالمدة التي يقضيها الكوكب فوق هدف الاحترار يمكن أن تكون عاملًا حاسمًا في تحديد مقدار الآثار طويلة الأمد.
وبالتالي، يمكن لسيناريوهين أن يسجلا ذروة الاحترار نفسها، لكن يتركان النظام المناخي في حالتين مختلفتين بعد انتهاء فترة التجاوز، إذا اختلفت مدة بقاء درجات الحرارة فوق الحد المستهدف.
ماذا يعني ذلك لأهداف المناخ؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن الوصول مجددًا إلى مستوى حراري مستهدف بعد تجاوزه لا يعني بالضرورة استعادة جميع الأنظمة المناخية لحالتها السابقة.
وبعبارة أخرى، فإن «العودة إلى الهدف» ليست بالضرورة مساوية لـ«العودة إلى الوضع السابق».
ويرى الباحثون أن تقييم المخاطر المناخية يحتاج إلى أخذ التأثير التراكمي لفترات التجاوز في الاعتبار، إلى جانب التركيز على ذروة الاحترار.
وقد يساعد هذا النهج في تقديم صورة أكثر دقة عن المخاطر التي قد تواجهها المجتمعات والنظم البيئية، خصوصًا في سيناريوهات يتعذر فيها تجنب تجاوز بعض الحدود الحرارية لفترات زمنية معينة.
وتأتي هذه النتائج في وقت تتزايد فيه أهمية دراسة ما يحدث إذا تجاوز العالم مؤقتًا مستويات الاحترار المستهدفة، وليس فقط ما إذا كان قادرًا على العودة إليها لاحقًا.





